الأمم المتحدة لزوم ما لا يلزم أمام الإمبراطورية المارقة !
بقلم: د. عدنان منصور - وزير الخارجيّة والمغتربين الأسبق

فلتسقط بعد اليوم الأمم المتحدة وما فيها، وليسقط معها القانون الدولي والمجتمع الأممي، وكلّ المتشدّقين بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وليسقط معها كلّ الذين يعوّلون على أسوأ إمبراطورية شهدها العالم منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، لم تذق منها الشعوب المقهورة سوى الاستبداد والاستعباد، والقهر والظلم، والاستغلال.
إمبراطورية تأسّست على الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وهيمَنت على دول، بغية تعزيز مصالحها، وبسط نفوذها، واستعراض قوّتها وجبروتها، واستنزاف دماء الشعوب!
وحدهم الأغبياء الحمقى الذين يظنون أنّ سلام العالم، وحريته واستقراره تصونه الأمم المتحدة ومجلس أمنها؟! ما يجري في العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، هو أنّ إمبراطورية نصّبت نفسها سيّدة العالم في ظلّ غياب قوى دولية موازنة، كي تعربد، وتبطش، وتوزع شرّها على العالم، غير عابئة بالمجتمع الدولي، ولا بالقوانين الدولية، ولا بمنظمة الأمم المتحدة. دول وشعوب يتحكّم برقابها ثور هائج فالت من عقاله، كاسر يتحدّى، يستخفّ بدول العالم وحكامه، ويضرب عرض الحائط بكلّ القيم الإنسانية والأعراف، والقوانين الدولية، ولا أحد يردعه ويوقف هيجانه، وجبروته.
كاوبوي العالم يريد أن تستمرّ إمبراطوريته في تفرّدها بشؤون العالم في ظلّ غياب التوازنات الدولية، لا سيما بعد تفكك الاتحاد السوفياتيّ الذي أدّى إلى إطلاق يد الولايات المتحدة بعد العام 1990.
وبعد أن تنازل عن دوره عقب المحادثات التي جرت بين وزيري الخارجية الأميركية جيمس بيكر والسوفياتي شيفارنادزه في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 1990، وصدور البيان المشترك الذي أكد أنّ المسؤولية عن السلام والأمن في عالم متبدّل ومتغيّر يقع على عاتق الأمم المتحدة القادرة على حلّ القضايا الشاملة.
هذا يعني أنّ آفاقاً واسعة فُتحت أمام واشنطن التي تخلصت أخيراً من قيود الفيتو السوفياتي الذي كان يُستخدم في كلّ مرة تريد موسكو تعطيل مواقف وقرارات ملائمة لسياسة واشنطن وأهدافها، بهذا التنازل أعطيت الولايات المتحدة غطاء الشرعية الدولية كي تمرّر من خلالها كلّ القرارات التي تخدم المصالح الأميركية، فتحوّلت الأمم المتحدة إلى أداة طيّعة في يد الولايات المتحدة التي من خلالها نصّبت نفسها زعيمة العالم!
واقع الحال هذا أكد عليه زبيغنيو بريجنسكي مستشار الرئيس جيمس كارتر لشؤون الأمن القومي، بقوله: “إنّ أفول نجم الاتحاد السوفياتي معناه تفرّد الولايات المتحدة بمركز الدولة العظمى ذات المسؤولية العالمية!”.
أما الرئيس نيكسون فقد قال في كتابه “انتهزوا الفرصة”: “إنّ لدينا فرصة تاريخيّة لتغيير العالم، ومسووليتنا الأولى والأهمّ، يجب أن تكون في إعادة تحديد مهمة الولايات المتحدة العالمية، وإعادة صياغة استراتيجيتها، وترتيب سياساتها الخارجية كي تتلاءم مع الوضع الجديد”.
منذ ذلك الوقت، لجأت الولايات المتحدة إلى استخدام القوة العسكرية في أماكن عديدة في العالم، لتطيح بدول ورؤساء وأنظمة، وكلّ ذلك حسب زعمها، من أجل “حرية الشعوب” و “حقوق الإنسان”! بلّلت يداها بدماء الشعوب، وهجّرت جماعات، ودمّرت دولاً، بغطاء قرار أممي، ودون غطاء، ميزانية حربية ضخمة هي الأعلى على الدوام في العالم وصلت اليوم إلى تريليون دولار، جعلتها واشنطن في خدمة حروبها المدمرة المتواصلة، من يوغوسلافيا وأفغانستان، مروراً بالعراق، وسورية، وليبيا، واليمن، وصولاً إلى إيران وفنزويلا، بالإضافة إلى إطاحتها بأنظمة ودعمها للحركات الانفصالية، وزعزعة أركان الدول التي لا تسير في فلكها.
فنزويلا تستباح على مرأى من العالم كله، بقرصنة لا مثيل لها، وعدوان كامل الأوصاف يتحدّى الأمم المتحدة، ضاربة بعرض الحائط مجلس أمنها وقوانينها الدولية، وبالمنظمات العالمية العديدة الكبرى، التي تشاهد المشهد المخزي البشع بذهول، وتعبّر عنه بتصريحات خجولة جوفاء، لا طعم، ولا رائحة، ولا قيمة ولا تأثير لها عند قرصان العصر.
غزو فنزويلا، واعتقال نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا في عقر داره! يُهان، ويُذل، ويُجلب بالقوة إلى “دولة العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان”، لهو خزيٌ وعار للولايات المتحدة، والمجتمع الدولي والمنظمات والتكتلات الدوليّة التي تثبت مدى رخاوتها، وعجزها، وفشلها، وعدم وحدتها في مواجهة كاوبوي العالم الهائج الذي داس على القوانين الدولية، والقيم الإنسانية، وسيادة الدول، وحقوق الشعوب.
مارق لا يعرف حدوداً له، مستنداً إلى القوة الغاشمة، التي فتحت شهيته النهمة على التوسّع، واحتقار الدول والشعوب. مارق طالَب بضمّ كندا، وغرينلاند، بلا حياء، ودون احترام واعتبار لسيادة دولهما، وقام بفرض الرسوم الجمركية على دول العالم متجاوزاً قوانين منظمة التجارة العالمية وغير مكترث بها! يأمر دول الحلف الأطلسي أن تزيد من موازنتها العسكرية فتستجيب دون تردّد، يفرض عقوبات أحادية الجانب على دولة ما، ويجبر دول العالم على الالتزام بها وإلا التهديد والوعيد!
هذا هو عالم الولايات المتحدة القبيح، وعالم دونالد ترامب الشنيع، رغم بروز قوى عظمى صاعدة على الساحة الدولية. لكن ما يُميّز واشنطن عن هذه القوى، هو أنّ الساحة العالمية لا تزال مرتعاً لها تفعل فيها ما تشاء، دون حسيب أو رقيب، لها الكلمة الفصل، في كلّ ما تفعله، تهدّد، تعاقب، تطوق، تحاصر، تقتل، تحتل، تنهب، تقرصن، وكلّ ذلك يأتي من إمبراطورية مستبدة، أتحفت وأغرقت دول وشعوب العالم بشعاراتها البراقة، المزيّفة التي لم تصبّ يوماً في خدمة الإنسانية ومصالح الشعوب المقهورة وإنّما في خدمة مؤسسات ومصالح الدولة العميقة داخل الولايات المتحدة التي جسّدت، وحوَت في سلوكها كلّ المساوئ والأفعال القذرة لدول الاستعمار التي اقترفتها بحق الشعوب، فيما هي تنصّب نفسها “راعية و”حامية” للحرية وحقوق الإنسان.
من جورج بوش الأب، مروراً بجورج بوش الابن، وجو بايدن، وصولاً إلى دونالد ترامب، سلوك أميركا الاستعلائي والاستبدادي حيال العالم هو هو، وحروبها لا تتوقف. كما جورج بوش، يريد أيضاً دونالد ترامب أن يقنع وهماً الدول والشعوب برسالة الولايات المتحدة “الإنسانية” وأدائها المزيّف في العالم! ألم يسبقه قبل ذلك الرئيس جورج بوش، الذي حدّد في وثيقته للكونغرس الأميركي في شهر كانون الثاني/ يناير 1992 وبعد أيام قليلة من انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه، والتي تتعلق باستراتيجية الأمن القومي الأميركي حيث جاء فيها: إنّ رسالة الولايات المتحدة التي تنفرد بقيادة العالم، يجعلها الوحيدة القادرة على دعم الأمن والسلام الجماعي، وتقديم النموذج الأميركي سياسياً وثقافياً، واقتصادياً، واجتماعياً، باعتباره النموذج الأمثل لحل قضايا العالم المتزايدة”!.
هذا هو النموذج “الأمثل” الذي يسير عليه اليوم مؤجّج الحروب دونالد ترامب، ويريده لإمبراطوريته المتسلطة التي لا تترك وراءها إلا الحروب، والدمار، والفوضى، والمآسي، وقهر الشعوب!
ما أحوج الدول الحرة اليوم، إلى الاتحاد في ما بينها للوقوف في وجه الإمبراطورية ووضع حدّ لفجورها، وعدوانها على دول وشعوب ترفض الخضوع لهيمنتها واستغلالها والسيطرة عليها وعلى ثرواتها.
فنزويلا نموذج واضح للعربدة الأميركية، عندما يطالب ترامب بكلّ وقاحة باسترجاع نفطها وكأنه ملك له.
بتدخّلها السافر في شؤون الدول، تريد الولايات المتحدة أن تفرض منطق القوة والأمر الواقع على العالم، وتجرّده من مبادئ الشرعية الدوليّة، وميثاق الأمم المتحدة، ومن القانون الدولي، كي تشرع قوانين الغاب التي تسمح لها باستخدام القوة التي تصبّ في خدمة مصالحها الاستراتيجية، لتأتي على حساب سيادة وحرية وثروات الدول والشعوب الحرة !
دول وشعوب العالم الأبية، أمام استحقاق كبير لاتحادها، وهو الوقوف بكلّ قوة وحزم في وجه كاوبوي العصر!



