اخبار محليةالرئيسية

“نداءٌ من على سفينةِ الأنسنة” – بقلم طارق سيف الدين

رغم أنَّ البناء فطرةٌ في المخلوقاتِ كلِّها؛ فالعُصفورُ يبني عشَّه، والثعلبُ يبني وَكره، والنسرُ يبني قِنَّتَه، والنملةُ والنحلةُ — وكلُّ ما خُلِق في الوجود من كائنات — تمتلك بالفطرة مواهب بناءٍ خاصةً بحياتها، فيها ما لا يمكنُ لخيالٍ أن يتصوَّرَ من تراكيبَ معقَّدةٍ وتنوُّعٍ واسعٍ. إلا أنها تبقى فطرةً فيهـا لا تتجاوزُ الفعلَ الطبيعيَّ، بينما تتحوَّلُ الفطرةُ عند الجماعةِ البشريةِ إلى موهبةٍ تنمو بالإبداعِ والابتكارِ وتلامسُ حدَّ الإعجازِ؛ فيصبحُ البناءُ من أعظم — إن لم نقل أعظمَ — مَنْجزاتِ البشريّةِ على الإطلاق. وذلك بالفهمِ الشاملِ للبناءِ الذي لا يقتصرُ على العمرانِ بل يتجاوَزُه إلى كل علمٍ، وكل فنٍ، وكل تنظيم؛ وبذلكَ يصبحُ البناءُ ميزةَ البشريّةِ الأكثرَ إبداعًا وتمايُزًا لها عن باقي المخلوقاتِ.

إذاً، إنَّ البناءَ بكلِّ النواحي الماديةِ_الروحيةِ يبقى فطرةً محدودةً في الكائناتِ، باستثناءِ البناءِ البشريِّ الإنسانيِ الذي أطلقَ حريةَ الإمكانِ من كلِّ حدٍّ، وأعطى للخيالِ موهبةَ الإبداعِ؛ ليكونَ البناءُ الأعظمُ شأنًا وأرفعَ مرتبةً: هو بناءُ الإنسانِ. ففي بناءِ الإنسان تكمنُ كلُّ العظمةِ للوجودِ، وكلُّ ما فيه من قيمةٍ، وكلُّ ما للوجودِ من قدرٍ.

بناءُ الإنسان يختزلُ كلَّ تعليمٍ، وكلَّ تربيةٍ، وكلَّ تضحيةٍ، وكلَّ معرفةٍ؛ ويجسِّدُ كلَّ قيمةٍ، وكلَّ ميزةٍ، وكلَّ رفعةٍ للكينونةِ البشريةِ عن باقي كينوناتِ الوجودِ التي تدورُ فيها حياتُنا البشرية.

الإنسانُ هنا هو الذي يمثلُ الحقيقةَ الكينونيةَ والوجوديةَ الأتمَّ في سيرها بكلِّ علمٍ، وكلِّ فنٍ، وكلِّ فلسفةٍ، ولكلِّ معرفةٍ؛ وفيه ومنه يَبدَأُ البناءُ، وله وعندَه تخلُدُ الحياةُ. (ومن الطبيعي أننا لا نتكلَّم عن الإنسانِ الفردِ — الذي يبقى مجرَّدَ إمكانيةٍ — في سجلِّ مسارِ حياةِ المجموع: المجتمعِ المتَّحدِ الأتمِّ، الذي يَمثّلُ لنا إنسانَنا في بنائه).

ورغم كلِّ عظمةِ بنائِنا الإنسانيِّ التي تظهَّرت في منظومةِ القيمِ الأخلاقيةِ والاجتماعيةِ والمبادئِ الإنسانيةِ الساميةِ في النظرةِ إلى الوجودِ، فإنَّنا نتحسَّسُ — وبقوّةٍ — بدايةَ عصرٍ من التَضعضُعِ يلامسُ شعورَنا بالخوفِ من الانهيارِ في بنائِنا الإنسانيِّ ذاك. وكادَ واقعُنا العالميُّ يُعلنُ فشلَنا في الحفاظِ، على الأقلِّ، على ما وصَلَ إليه البناءُ الإنسانيُّ من تشريفٍ للحياةِ؛ وللأسفِ قد يكونُ فشلُنا فشلاً عظيمًا.

إنَّ العالمَ الإنسانيَّ أجمَعُ — باستثناءِ السلطةِ المتغطرِّسةِ في الولايات “الويلاتِ” المتحدةِ الأمريكيةِ وبعض تبعاتِها الأوروبيّةِ — يتحسَّسُ الخيبةَ من وجهةِ الانحدارِ التي أل لها البناء الإنسانيِّ بكل ما له من أشكالٍ ومراتِبَ؛ والمخاوفُ كبيرةٌ وواضحةٌ وتُسمِّ عصرَنا هذا تسمياتٍ ونعوةٍ، وليس أقلُّها مصطلحُ “حَيَوَنةِ الإنسانِ” أو “البشريةِ القطيع”.

لا شكَّ أنَّ البشريةَ جمعاءً ساهمت في هذا الانحدارِ؛ بل هي شريكةٌ فيه. فلا يوجد خلافٌ بين اثنين عاقلينَ على أنَّ العالمَ الإنسانيَّ ذاهبٌ إلى الأسوأ، وأنَّ الواقعَ الإنسانيَّ في كلِّ متحَدّاتِهِ ونُظُمِهِ يعيشُ في سباقٍ نحو الهاوية… ولا خلافَ أنَّ لهذا السباقِ أثرًا سلبيًا كبيرًا وخطيرًا يلامسُ صفةَ القاتِلِ لوجودِ الطبيعةِ — كطبيعةٍ تُحيا بها عناصرُ الحياةِ ويكمُنُ فيها سرُّ البقاءِ. حقيقةٌ أصبحت ماثلةً للقاصي والداني: إنَّ الوجودَ — ببشرِهِ وحَجرِهِ وكلِّ الطبيعةِ لحياتنا — في خطرٍ وجوديٍّ.

وفشلُ البشريةِ في الحفاظِ على أعظمِ مَنْجزاتها، الذي يتمثَّلُ في البناءِ الإنسانيِّ، له الأثرُ الأكبرُ في ذلك الخطرِ… ورغم كلِّ محاولاتِنا النظرَ بإيجابيةٍ إلى الإنجازاتِ والادِّعاءاتِ بالتطوُّرِ والحداثةِ والتقدُّمِ المعرفيِّ والكشفِ العلميِّ؛ فإنَّ الشعورَ بحقيقةِ الخطرِ طاغٍ على كلِّ ذي عقلٍ، والخوفَ من مجهولِ المآلِ لإنسانيتِنا باتَ رُهَابًا مَرِضِيًّا عند عامةِ المهتمين.

إنَّ النتيجةَ من معاينتِنا للواقعِ الإنسانيِّ المنحدِرِ إلى هاويةِ العبوديةِ القِطعانيةِ تجعلُنا نُعلن حالةَ الطوارئ الإنسانية، ونلفتُ النظرَ إلى أنَّ مشهديْن قد كانا بمثابةِ الصرخةِ الإنسانيّةِ المُعلنةِ: مشهدُ أسطولِ الصمودِ ورحلتَه إلى شواطئِ غزّةَ، ومشهدُ الحشودِ في مُظاهراتِ إسبانيا — إذ كانا صرخَتَيْ رفضٍ للاصطفافِ في قطيعِ العبودية.

وإن كانت صرخةُ الرفضِ خطوةً في الاتجاهِ السليم نحو إنسانيتِنا، فإنَّ الخطواتِ اللاحقةَ تحتاجُ منا أكثرَ من صرخةٍ تُعلنُ أنَّ البشريّةَ واقفةٌ على مفترقِ القطيعةِ بينها وبين أنسانتِها.
نحتاجُ إلى دعوةٍ تُعيدَ تمسُّكَ البشريّةِ بالقيمِ والمثلِ الأخلاقيةِ تثبيتًا لإنسانيتِنا وصونًا لبنائِنا الإنسانيِّ؛ فالثباتُ في إنسانتِنا هو بمثابةِ دفعِ دفةِ وجهةِ السفينةِ البشريةِ نحو شواطئِ أنسانتِها — إنقاذًا لها من طوفانِ المِثالبِ الذي يحاولُ إغراقَ البشريّةِ إلى دركِ قاعِهِ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى