
إلى جانب الأزمة الإنسانية العميقة التي تخلّفها عمليات طرد مواطنين من منازلهم في حي السومرية، على أطراف دمشق، بحجّة أنهم يسكنون في «منطقة مخالفات»، تكشف نظرة أوسع إلى ما يجري، عن سياسة ممنهجة ضدّ الأقلّيات (العلويين هذه المرة)، تهدف إلى دفعهم نحو مناطقهم التاريخية في الساحل، في وقت تعيش فيه البلاد على مفترق طرق يهدّد وحدة أراضيها، وينذر بمخطّط مستمرّ لتقسيمها على أساس طائفي وديني.
وتصاعدت الأزمة في السومرية بعد اقتحام مجموعات مسلحة متشدّدة الحي، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المواطنين فيه، وتنفيذ عمليات ترهيب وتهديد ضدّه، تبعها إنذار بالإخلاء صادر عن هيئة تدعى «الإسكان» (تتبع للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، ويديرها ماهر الشرع، شقيق الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع) بحجّة أنّ هذه المنطقة مخالفة. ويفتح ذلك الباب أمام جملة من الأسئلة حول توقيت مهاجمة الحي، والطريقة التي تم عبرها اقتحامه، ومصير المدنيين الذين يعيشون في بيوت بدائية داخله، وينتمون إلى الطائفة العلوية، والذين أصبحوا من دون مأوى، ما أجبر قسماً منهم على النزوح نحو الساحل، بحثاً عن مكان يقطنه.
وبرغم محاولة السلطات الانتقالية، امتصاص موجة الغضب التي تسبّبت بها هذه الحملة، عبر تسريبات إعلامية، وإعلان مختار الحي أنّ وزارتَي الدفاع والداخلية أبلغتاه بعدم إخلاء المنطقة، وبمحاسبة الفصيل الذي اقتحمها، يكشف سلوك السلطات على الأرض إصراراً على استكمال عمليات التهجير. إذ يترافق هذا السلوك مع منع الصحافيين من الاقتراب من الحي، وتلقّي عدد من السكان تهديدات في حال البقاء، الأمر الذي تسبّب بحال ذعر كبيرة، خصوصاً بعد أن تعرّض قسم كبير من الذكور للتهديد والضرب، وتمّ اقتحام وسرقة وتكسير عدد كبير من المنازل.
وبينما يسوّق ناشطون مؤيّدون للسلطات أفكاراً تتحدّث عن «ردّ للأملاك الشخصية تمّ الاستيلاء عليها سابقاً» لتبرير تهجير المواطنين مدقعي الفقر (كما أظهرت تسجيلات مصوّرة للمنازل البدائية التي يعيشون فيها)، يثير هذا التبرير أسئلة حول واجبات السلطة، التي كان يتعيّن عليها أن تقوم بتأمين منازل بديلة، أو تقديم يد العون للسكان الذين تريد منهم إخلاء منازلهم، بدلاً من رميهم في العراء. غير أنّ ذلك لم يحصل على أرض الواقع، الأمر الذي يؤكّد أنّ توجّهاتها وفصائلها، تقوم على عملية تهجير ممنهجة تستهدف العلويين تحديداً، وتتّسق مع أخرى مماثلة تعرّض لها سكان عدد كبير من قرى ريفَي حماة وحمص، تمّ طردهم من منازلهم والاستيلاء على أملاكهم.
أظهر أحد أعضاء «المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا» انفتاحاً على إسرائيل
ويكرّس هذا التوجّه عمليات قوقعة مقصودة للعلويين في الساحل، شبيهة بعمليات دفع الدروز نحو السويداء، والتي سبقت المجازر التي تعرّضت لها المدينة، ما أفسح المجال أمام إسرائيل للتدخّل بذريعة حمايتهم، لتصبح المحافظة التي تمّ إخلاء عشائر البدو منها بحجّة المخاوف الأمنية، درزية صافية، وتنشأ فيها إدارة ذاتية، وسط مطالب الانفصال.
كذلك، تتزامن هذه الانتهاكات مع ظهور تشكيل سياسي علوي جديد، يدعو إلى إقامة «فيدرالية» في مناطق وجود العلويين (المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا)، في وقت أظهر فيه أحد أعضاء هذا التشكيل انفتاحاً على إسرائيل، وقام ببعث رسائل غزل لتل أبيب، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام الأخيرة لاستكمال خطّتها في إنهاء وحدة الأراضي السورية، وتفتيت البلاد إلى دويلات صغيرة، في ظلّ وجود «إدارة ذاتية» في شمال شرق البلاد، وأخرى جنوبها.
ويجيء ذلك في وقت تستمرّ فيه الفصائل التابعة للسلطات الانتقالية أو المرتبطة بها في ارتكاب انتهاكات بحق العلويين، الذين يتعرّضون لعمليات اغتيال مستمرّة (في حمص وحماة اللاذقية وطرطوس)، إلى جانب الاعتقالات التي طاولت آلاف العلويين، والذين لا يزالون يقبعون في السجون (بينهم نساء وأطفال)، وعمليات الخطف التي طاولت النساء العلويات، وسط حديث عن حالات «استعباد» حذّر منها تقرير خاص أصدرته منظمة الأمم المتحدة.
ويضاف إلى ما تقدّم، استبعاد شبه كامل للعلويين من مؤسسات الدولة، بعد أن تمّ فصل عشرات الآلاف منهم، الأمر الذي أكمل ملامح الاضطهاد الذي يتعرّضون له على أساس طائفي، ويدفعهم إلى التحلّق أكثر حول المرجعيات الدينية، ويمنح المشروع السياسي المعلن عنه بخصوصهم حديثاً حال قبول إلى حدّ ما، باعتباره قد يكون «الملجأ الوحيد» للخلاص من الاضطهاد، تماماً كما حدث في السويداء.
وعلى أي حال، فإنه في أثناء المدّة المقبلة، وفي حال نجح المشروع السياسي العلوي المستحدث، أو أي مشروع آخر في هذا الاتجاه، في الحصول على غطاء سياسي أو عسكري يمكّنه من خلق نظام «إدارة ذاتية»، سيُنظر إلى العلويين الذين تعرّضوا للمجازر والاضطهاد والخطف والتهجير على أنهم «انفصاليون»، حالهم كحال أبناء السويداء، بينما ستُنسى الآلية التي تمّ عبرها تمهيد الأرض ودفعهم بمختلف الأدوات نحو هذا الخيار.