
ما زالت «المقاومة» في لبنان تمارس «ضبط النفس» تحت سقف الدولة اللبنانية، التي باتت تعتمد الشجب والإدانة سلاحاً أوحدَ أمام العدوان الإسرائيلي، المُختلِق لذرائع واهية عديدة في محاولة منه لزجّ لبنان في أتون حرب جديدة، أساسها الحماية الأميركية مع الغطاء الأوروبي في ظل «السكوت العربي».
تقف الديبلوماسية اللبنانية عاجزةً أمام الهجوم الإسرائيلي المتمادي، والمُمعن في خرق «اتفاق وقف إطلاق النار»، دون أن تحرّك ساكناً في مجتمعٍ دوليٍ صامتٍ عن الإبادة القائمة في غزّة منذ السابع من أكتوبر 2023، تحت رعاية أميركية تشرِعن الاعتداءات على السيادة اللبنانية، وهو ما أفصح عنه «بكل فجور» لسان نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس، التي ما برحت تلوم الحكومة اللبنانية على إطلاق «الصواريخ اللقيطة» على الأراضي المحتلة، متجاهلةً الخروقات الإسرائيلية لاتفاق العار التي تجاوزت الـ1500 انتهاك، بل أوصت الحكومة اللبنانية – كعادتها – بـ«سحب سلاح الميليشيات دون تسميتها»، كما كان عهدها حين طالبت رئيس الحكومة نوّاف سلام باستبعاد مكوّنٍ لبناني عن التشكيلة الحكومية.
لم تقتصر تصريحات أورتاغوس على ضرورة إنهاء المقاومة، بل جاءت لتلمّح إلى علاقة «تطبيع» بين لبنان والكيان المحتل، والتي تريدها أن تتجاوز مخاضات التفاوض إلى تبادل الوفود الديبلوماسية، وصولاً إلى بدء الحديث عن اتفاق سلام بين دولة احترمت مواثيقها وكيان قائم على استباحة الجوار، اعتماداً على سياسة «العصا والجزرة» و«الترهيب مع الترغيب» بمواجهة الحكومة اللبنانية لإجبارها على التصدّي للمقاومة في مسعى لحصرها وعدم تمديدها.
من هنا يأتي رفض الحكومة الانتقالية السورية لعقد أي لقاء مع الجانب اللبناني، قبل قيام الحكومة بإعادة الودائع السورية في البنوك اللبنانية، وتسليم ضبّاط الجيش السوري الفارّين إلى لبنان، وإرجاع حزبالله عن الحدود الشرقية للبنان، وذلك في محاولة لفرض المزيد من الحصار على لبنان ومقاومته، بما تشكّله سوريا من امتداد طبيعي للبنان، وهو ما يزيد من القيد الخانق والضاغط على الحكومة اللبنانية لتبدأ بالتحرّك ضد المقاومة.
يتقاطع هذا المشهد مع المشروع الإسرائيلي الجديد للشرق الأوسط، والذي يقوم على توازنات جديدة يدفع بها الأميركي لرفع الشروط الإسرائيلية في أي مفاوضات جديدة، من شأنها إعادة رسم معالم المنطقة في المستقبل، وهذه التجاوزات قد تطال العاصمة بيروت، بما لها من رمزية في الوجدان العربي لتكون مقابل المطلة، بهدف زرع الاطمئنان في نفوس المستوطنين الرافضين للعودة إلى المستوطنات الشمالية خوفاً من تكرار الحرب، حيث لم يعد للقرار 1701 أي تأثير إنْ كان على منطقة جنوب الليطاني، فالعدو أصبح يُمعِن في استهداف أي منطقة في لبنان، ضارباً بعرض الحائط أي اتفاق، ومعتبراً أنّه في موقع الذي يفرض شروطه.
«العنجهية الإسرائيلية» مستمرة سواء جلست الإدارة الأميركية إلى طاولة المفاوضات مع إيران، أو لم تقرر ذلك، ليبقى هدفها الأبرز حالياً، التفرّغ للمد الصيني، بعدما تحوّلت «بلاد التنين» إلى عقبة أولى أمام استمرار الإمبراطورية الأميركية، والخصم الأكبر على الساحة الدولية، لذلك تعمل إدارة دونالد ترامب على التفرّغ والتركيز على صراعها مع الصين، على حساب إخماد الحرائق في الشرق الأوسط وجوائز ترضية لحلفائها وفي مقدّمتهم الكيان الإسرائيلي.
هذه المفاوضات تريد منها واشنطن أنْ تقوم بالضغط على حلفاء إيران في المنطقة، وخاصة في اليمن لمنع أي تصعيد يؤدّي إلى إشعال حرب تتسبب بخسائر اقتصادية أميركية في معركة بدأها ترامب بوجه حلفائه قبل خصومه، خاصة أنّ المعركة ضد اليمن خاسرة بكل المعايير، وهي التي لم تتوقف عن إسناد غزّة حتى مع كمية الترهيب التي مارستها واشنطن على صنعاء عبر التحالفات والقصف والزج بحاملات الطائرات أمام البحر الأحمر وخليج عدن.
أمام كل هذه المتغيّرات تُمسِك باريس العصا من المنتصف، لحجز مقعد اقتصادي في شرق المتوسط، حيث قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتبرئة حزبالله من إطلاق الصواريخ على الأراضي المحتلة، بالتوازي مع عدم التصعيد الكلامي مع تل أبيب عقب التوتّرات التي طغت على العلاقة بينهما، ليكون لبنان موطئ قدم للنفوذ الفرنسي في شرق المتوسط.