عودة: ما حَدثَ داخِلَ الكنيسةِ في الكرك لا يَمَتُّ إلى الدينِ بصِلَةٍ

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس الإلهي في كاتدرائية القديس جاورجيوس .
وبعد قراءة الإنجيل المقدس ألقى المطران عودة عظة قال فيها: “أَودُّ بدءًا أنْ أُعبِّرَ عن مَدى الحُزنِ والغَضَبِ والإشمِئزازِ الذي ولَّدَه الحادِثُ الإرهابيّ الذي حَصَلَ في الكَنيسةِ في الأردن وراحَ ضَحيَّتَه أناسٌ أبرياءُ كانوا يُصَلُّون لراحَةِ نَفسِ قريبٍ لهم. ما حَدثَ داخِلَ الكنيسةِ لا يَمَتُّ إلى الدينِ أو الأخلاقِ أو القيمِ بصِلَةٍ، بل يُعبِّرُ عنْ مدى الوحشيَّةِ الكامِنَةِ في قلبِ إنسانِ هذا الزمانِ الذي لم يَعُدْ يُعيرُ لا الدينَ ولا الأخلاقَ ولا الإنسانيةَ أيّةَ أهميَةٍ أو احترام. بِئْسَ هذه الأيامِ التي لا نَعيشُ فيها سوى الحروبِ والقتلِ والإرهابِ والتطرفِ. نسألُ الربَّ الإله الرحمةَ لنفوسِ الضحايا والشفاءَ للجرحى والغفرانَ والهِدايَةَ لمُرتَكِبي هذه المجزرةِ وكلِّ المجازرِ التي تَطالُ الإنسانَ، كما نَسأَلُه السَلامَ لمَنطَقتِنا وللعَالمِ أَجْمَع”.
أضاف: “يخبرنا إِنْجيلُ اليَوْم أنَّ يسوع أتى إلى كورَةِ الجُرْجُسِيينَ (فاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ المَدينةِ بِهِ شياطينُ منذُ زمانٍ طويلٍ…لا يَأوي إلى بَيْتٍ بَلْ إلى القُبورِ). كانَ عُريانًا وَمُضْطَرِبًا، لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُقَيِّدَهُ، وقَدْ صارَ أَسِيرَ قُوَّةٍ دَمَّرَتْ إِنْسانِيَّتَهُ. لَكِنَّ المَسيحَ، حِينَ يَلْتَقِيهِ، لا يَرى فِيهِ مُجَرَّدَ إِنْسانٍ مَمْسوسٍ أَوْ حالَةٍ مَيْؤوسٍ مِنْها، بَلْ يَرى إِنْسانًا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعِيدَ صُورَتَهُ وَكَرامَتَهُ وَحُرِّيَّتَه. لِهَذا، (أمَرَ الروحَ النَجِسَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ الإنْسانِ لأنَّهُ كانَ قَدْ اخْتَطَفَهُ مُنْذُ زَمانٍ طويلٍ) لِكَيْ يُعِيدَ إلى هَذا الإِنْسانِ إنْسانِيَّتَهُ وَإِسْمَهُ وَهُوِيَّتَهُ التي سُلِبَتْ مِنْهُ”.
وتابع: “لَيْسَتْ هَذِهِ الحادِثَةُ مُجَرَّدَ قِصَّةٍ عَنْ مُعْجِزَةٍ وَقَعَتْ في الماضي، بَلْ صُورَةٌ لِلإِنْسانِ الَّذي قَدْ يَعيشُ اليَوْمَ بَيْنَ النَّاسِ، لَكِنَّهُ في داخِلِهِ يَسْكُنُ القُبورَ. قَدْ لا تَكونُ قُبورُنا مِنَ الحِجارَةِ، لَكِنَّها قَدْ تَكونُ قُبورَ الخَطِيئَةِ وَالإِدْمانِ وَالكَراهِيَةِ وَالقَلَقِ وَاليَأْسِ وَالكِبْرِياءِ وَالإِنْتِقامِ وَالشَّهَواتِ وَالغُرورِ، أَوْ جِراحًا نَرْفُضُ الإعْتِرافَ بِها. قَدْ يَضْحَكُ الإِنْسانُ أَمامَ الآخَرِينَ وَيَتَكَلَّمُ وَيَعْمَلُ وَيَنْشُرُ صُوَرَهُ على وَسائِلِ التَّواصُلِ، وَقَدْ يَتَباهى وَيَدَّعي القُوَّةَ فيما شَيْئٌ مَكْسورٌ في أَعْماقِهِ يَصْرُخُ طالِبًا الخَلاصَ.
عِنْدَما رَأى ذَلِكَ الرَّجُلُ المَسْكونُ بِالأَرْواحِ الشِّرِّيرَةِ يسوعَ صاحَ: (ما لي وَلَكَ يا يَسوعُ ابْنَ اللهِ العَلِيّ؟). هَذِهِ العِبارَةُ قَدْ تَكونُ أَيْضًا صَرْخَةَ الإِنْسانِ المُعاصِرِ الَّذي قَدْ يَقولُ: ما عَلاقَتي بِالمَسيح؟ وَما حاجَتي إِلَيْه؟ أَنا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُدَبِّرَ حَياتي بِمُفْرَدي. لَكِنَّ الإِنْجيلَ يَكْشِفُ لَنا حَقيقَةً مُخْتَلِفَةً هِيَ أَنَّ الإِنْسانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْلَأَ حَياتَهُ بِأُمورٍ كَثيرَةٍ، وَمَعَ ذَلَكَ يَشُعُرُ بِفَراغٍ في أعْماقِهِ وَيَبْقَى شاخِصًا إلى الخَلاص. يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَلِكَ المالَ وَالعِلْمَ وَالشُّهْرَةَ وَالسُلْطَةَ، وَأَنْ يُحِيطَ نَفْسَهُ بِوَسائِلِ الرَّاحَة، لَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ مِنَ الدَّاخِلِ، أوْ يُطيلَ عُمْرَهُ لَحْظَةً واحِدة.
المَسيحُ لا يَتَدَخَّلُ لِيُجَمِّلَ سَلاسِلَنا، بَلْ لِيُكَسِّرَها، وَلا يَبْتَغي أنْ يَجْعَلَنا أَكْثَرَ نَجاحًا وَرَخاءً بِحَسَبِ مَقاييسِ العالَمِ، بَلْ أنْ يُعِيدَ إِلَيْنا إِنْسانِيَّتَنا. عِنْدَما أَخْرَجَ الرَّبُّ الشَّياطِينَ مِنَ الرَّجُلِ، وُجِدَ هَذا جالِسًا عِنْدَ قَدَمَي يَسوعَ، لابِسًا وَعاقِلًا. الخَلاصُ في المَسيحِيَّةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِزالَةِ الشَّرِّ، بَلْ إِسْتِعادَةُ العَقْلِ وَالقَلْبِ وَالكَرامَةِ وَالسَّلام. أَنْ يَجْلِسَ الإِنْسانُ عِنْدَ قَدَمَيِّ المَسيحِ يَعْنِي أَنّهُ وَجَدَ المَكانَ الَّذي يَنْتَمِي إِلَيْه، وَفيهِ يَجِدُ الراحَةَ وَالسَلام.
المُفارَقَةُ المُؤْلِمَةُ هِيَ أَنَّ أَهْلَ المِنْطَقَة، بَعْدَما رَأَوا الرَّجُلَ الَّذي كانَ مُدَمَّرًا قَدْ صارَ سَلِيمًا، وَالشَياطينُ التي كانَتْ تَسْكُنُهُ دَخَلَتْ في قَطيعِ خَنازير« فَوَثَبَ القَطيعُ عَنِ الجُرْفِ إلى البُحَيْرَةِ فاخْتَنَقَ»، طَلَبوا إلى يسوع أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُم. لَقَدْ فَضَّلُوا وُجودَ الخَنازيرِ ومَصالِحَهُمْ على حُضورِ المَسيح. هَذا أَمْرٌ قَدْ يَحْدُثُ مَعَنا أَيْضًا. قَدْ نَطْلُبُ مِنَ المَسيحِ أَنْ يُخَلِّصَنا، إنّما لَيْسَ على حِسابِ مَصالِحِنا. نُريدُهُ أَنْ يُحَرِّرَنا مِنَ الأَلَمِ، على أَلَّا يَمَسَّ خَطِيئَتَنا، وَأَنْ يَمْنَحَنا السَّلامَ دونَ أَنْ يَطْلُبَ مِنّا التَّوْبَة، وَأَنْ يُبارِكَ إِخْتِياراتِنا، بِلا تغييرٍ في حَياتِنا”.
وقال: “الرَّسولُ بولُسَ يقولُ لَنا في رِسالَةِ اليَوْم: (إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسانَ لا يَتَبَرَّرُ بِأَعْمالِ النَّاموسِ، بَلْ إِنَّما بِالإِيمانِ بِيَسوعَ المَسيح، آمَنَّا نَحْنُ أيْضًا بِيسوعَ المسيح). التَّبْريرُ لَيْسَ إِنْجازًا بَشَرِيًّا نَضَعُهُ أَمامَ اللهِ قائِلينَ لَهُ: أُنْظُرْ ماذا صَنَعْنا، لِذَلِكَ اَسْتَحَقَّيْنا الخَلاصَ. الخَلاصُ عَطِيَّةٌ تُمنَحُ بِالإِيمان، لَكِنَّ الإِيمانَ الحَقيقِيَّ لا يَبْقَى فِكْرَةً مُجرّدةً، بَلْ يَصِيرُ حَياةً جَديدَةً وَأعْمالاً نافِعَة. لِذَلِكَ، يَقولُ الرَّسولُ بولُس: «مَعَ المَسيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيا لا أَنا، بَلِ المَسيحُ يَحْيا فِيَّ». هَذِهِ لَيْسَتْ عِبارَةً شِعْرِيَّةً، بَلْ هِيَ جَوْهَرُ الحَياةِ المَسيحِيَّة. المُؤمِنُ المَسيحِيُّ لا يَقولُ فَقَط: أَنا أُحِبُّ المَسيحَ، بَلْ يَسْمَحُ لِلمَسيحِ بِأَنْ يَحْيا فِيه، فتَتَغَيَّرُ إِرادَتُهُ، وَنَظْرَتُهُ إلى الآخَرِ، وَطَرِيقَةُ تَعامُلِهِ مَعَ الصُعوباتِ وَالمالِ وَالجَسَدِ وَالسُّلْطَةِ وَالغُفْرانِ وَالضُّعْفِ وَالمَوْت.
يُعَلِّمُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم، في حَديثِهِ عَنْ حَياةِ المُؤْمِنِ بِالمَسيح، أَنَّ الإِيمانَ لا يَنْفَصِلُ عَنِ الحَياة، وَأَنَّ النِّعْمَةَ الَّتي يَنالُها الإِنْسانُ تَسْتَدْعي سُلوكًا يُوافِقُها. لَيْسَ المَطْلُوبُ أَنْ نَحْمِلَ إِسْمَ المَسيحِ على شِفاهِنا فيما حَياتُنا أَسيرَةً لِلأَهْواءِ القَديمَة. القِدِّيسُ إِيريناوُس يَخْتَصِرُ غايَةَ عَمَلِ اللهِ في الإِنْسانِ بِأَنَّهُ يُريدُ أَنْ يُعِيدَ الإِنْسانَ إلى الحَياةِ، لأَنَّ مَجْدَ اللهِ، كَما يَقولُ، هُوَ (الإِنْسانُ الحَيُّ)، أَيِ الإِنْسانُ الَّذي يَحْيا حَقًّا في الله”.
وأردف: “قَدْ يَكونُ الخَطَرُ الأَكْبَرُ في حَياتِنا الرُّوحِيَّةِ أَنْ نَتَعَوَّدَ على قُبورِنا. قَدْ يَعْتادُ الإِنْسانُ غَضَبَهُ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ شَخْصِيَّتِهِ، وَيَعْتادُ خَطِيئَتَهُ حَتَّى يُبَرِّرَها، وَيَعْتادُ وِحْدَتَهُ حَتَّى يَرْفُضَ المَحَبَّة، وَيَعْتادُ كِبْرِياءَهُ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ التَّواضُعَ ضُعْفٌ. لَكِنَّ المَسيحَ لا يَنْظُرُ إِلَيْنا بِحَسَبِ ما صِرْنا إِلَيْهِ، بَلْ بِحَسَبِ ما يُمْكِنُ أَنْ نَصِيرَ إِلَيْهِ بِنِعْمَتِه. لِذَلِكَ، عِنْدَما طَلَبَ الرَّجُلُ الَّذي شُفِيَ أَنْ يَبْقَى مَعَ الرَّبِّ يَسوعَ، قالَ لَهُ الرَّبُّ: «إِرْجِعْ إلى بَيْتِكَ وَحَدِّثْ بِما صَنَعَ اللهُ إِلَيكَ». لَقَدْ أَرْسَلَهُ إلى المَكانِ الَّذي يَنْتَمي إلَيْهِ، وَهَذا مُهِمٌّ جِدًّا، لأَنَّ النِّعْمَةَ لا تَجْعَلُنا نَهْرُبُ مِنَ العالَمِ، بَلْ تَجْعَلُنا شُهودًا لِلمَسِيحِ في العالَم، تَجْعَلُ كُلًّا مِنَّا يَعودُ إلى عالَمِهِ إِنْسانًا جَديدًا”.
وختم عودة: “فَلْنُسَلِّمْ الرَّبَّ حَياتَنا كُلَّها، لأَنَّهُ لا يُريدُ أَنْ نَكونَ أَحْياءً بِالجَسَدِ وَأَمْواتًا بِالرُّوح. إِنَّهُ يُريدُ لَنا حُرِّيَّةَ أَبْناءِ الله، حَياةً لا تَسْكُنُ القُبورَ، وَقَلْبًا يَجِدُ راحَتَهُ عِنْدَ قَدَمَيْه. وَحِينَ يَحْيا المَسيحُ فِينا، لا يَعودُ ماضِينا سِجْنًا، وَلا جِراحُنا هُوِيَّةً، وَلا خَطايانا قَدَرًا مَحْتُومًا. فَالَّذي حَرَّرَ ذَلِكَ الرَّجُلَ مِنَ الشَياطينِ وَمِنْ سُكْنى القُبورِ سَيُقِيمُ فِينا الإِنْسانَ الجَديدَ، لِكَيْ نَحْيا بِالإِيمانِ بِابْنِ اللهِ الَّذي أَحَبَّنا وبَذَلَ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِنا، آمين”.




