
تحت وطأة التهديدات الأمنية التي يعيشها المجتمع في لبنان،تحوّل بث الخوف فيه إلى مادة للاستهلاك الإعلامي تجعل مصير الناس مساحةً مفتوحة للمزايدات والتحليلات المتناقضة، بين مَن يحدّدون موعد الحرب باليوم والساعة، ومَن يتحدّثون بثقة مفرطة توحي بأن لا حرب تلوح في الأفق، وكأنّهم يملكون مفاتيح الغيب.
في زمن التوترات، يطلّ علينا بعض المحللين السياسيين يرسمون سيناريوهات تفصيلية لا تستند دائماً إلى معلومات موثوقة أو معطيات قابلة للتحقّق. ومع كل موعد يقترب، ترتفع وتيرة القلق، وتُستنزف أعصاب الناس، وتتحوّل المنصات الإعلامية إلى ساحات للترقّب والهلع. وحين يمرّ الموعد من دون أن يحدث ما بُشّر به، لا يعتذر أصحاب التوقعات، ولا يراجعون حساباتهم، بل ينتقلون ببساطة إلى موعد جديد، وكأنّ حياة الناس مجرّد هامش في سباق حصد المشاهدات وصناعة الترندات.
بالمقابل، الوجه الآخر للمشهد لا يقلّ خطورة. فهناك مَن يذهب إلى النقيض تماماً، فينفي احتمالات الحرب، ويبثّ فائضاً من القوة والطمأنينة، ويقدّم الأمور وكأنّ المخاطر لا وجود لها، أو كأنّ امتلاك القدرة على المواجهة يعني بالضرورة القدرة على تجنيب الناس أثمانها. وبين خطاب يضخّم الخطر إلى حدّ الهلع، وخطاب يقلّل منه إلى حدّ الاستهانة، يبقى المواطن عالقاً بين خوف لا يعرف كيف يتعامل معه، وطمأنينة لا يعرف إن كان يستطيع الركون إليها.
وتزداد خطورة هذا المشهد حين تصدر هذه المواقف عن ممثلي أحزاب وازنة، وشخصيات تشغل مواقع نيابية ووزارية ورسمية. فالكلمة الصادرة عن صاحب موقع عام قد تُفهم على أنّها معلومة مستندة إلى تقديرات رسمية، أو رسالة سياسية محسوبة، أو إشارة إلى ما يجري خلف الأبواب المغلقة. ومن هنا، فإنّ المسؤولية تفرض على هؤلاء أن يزنوا كلماتهم بميزان الدقة، وأن يدركوا أنّ التصريح غير المحسوب قد يربك الناس، ويؤثّر في قراراتهم، ويضاعف مخاوفهم، أو يدفعهم إلى إهمال احتياطات ضرورية.
هل غاب عن بال هؤلاء أنّ الكلمة قد تكون أخطر من رصاصة، وأنّ الشائعة قد تدمّر من الاستقرار النفسي والاجتماعي ما لا يدمّره صاروخ؟
فالصاروخ يخلّف دماراً مادياً مباشراً، أمّا الشائعة فقد تسبق الصاروخ إلى البيوت، وتدخل غرف الأطفال، وترافق الأمهات إلى أسرّتهن، وتدفع العائلات إلى قرارات مرتبكة، وتضرب الثقة بين الناس ومؤسساتهم. وقد لا تسقط الشائعة حجراً واحداً، لكنها قادرة على تحويل مدينة كاملة إلى مساحة من القلق والانتظار، وعلى جعل الحياة اليومية رهينة خبر عاجل، أو تسريب مجهول، أو تحليل يفتقر إلى أبسط معايير المسؤولية المهنية.
ولعلّ الضاحية الجنوبية هي المثال الأوضح على حجم الأذى الذي يمكن أن تُحدثه هذه الحرب الكلامية. فالضاحية بكينونيتها تتعدى كونها مساحة جغرافية تُستحضر في خرائط التهديدات، وتسحيل عنواناً سياسياً يُستخدم في السجالات، فهي منطقة مكتظة بالحياة، يسكنها الناس ويعملون فيها، وتضمّ عائلات وأطفالاً وطلاباً ومرضى وعمالاً ومؤسسات تربوية ومراكز صحية ومصانع وأصحاب مصالح، لكلّ منهم يومه واحتياجاته والتزاماته ومخاوفه. إنها مجتمع كامل، لا يختصر في سيناريو عسكري يكون سكانه تفصيلاً في معركة إعلامية.
الأجدى مع تناقض التهديدات والتوقعات بشأن الضاحية الجنوبية أن لا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كانت الحرب ستقع أم لا، بل أن يتّسع ليشمل سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا أُعدّ لهؤلاء الناس إذا وقع الأسوأ؟
أين خطط الإخلاء الواضحة؟ أين خطط الإيواء والاستجابة الطارئة؟ أين مراكز الاستقبال المجهّزة، وآليات النقل، والاحتياجات الطبية، وخطط حماية كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، وتأمين الأدوية والمستلزمات الأساسية؟ أين آليات التنسيق بين الوزارات والبلديات والدفاع المدني والجهات الأمنية والصحية والتربوية والاجتماعية؟ وأين المعلومات الرسمية التي تشرح للناس ما ينبغي فعله، ومن أين يستقون الأخبار الموثوقة، وكيف يتصرّفون عند الضرورة؟
إنّ غياب الخطط المعلنة والواضحة، أو عدم وصولها إلى الناس، يترك العائلات أمام سؤال المصير وحدها. فليس كافياً أن نتحدّث عن احتمالات الحرب على الشاشات، ولا أن نتبادل الرسائل التحذيرية عبر مجموعات الهواتف، فيما لا يعرف المواطن إلى أين يذهب، وكيف يحمي أطفاله، وأين يجد مأوى آمناً إذا اضطر إلى مغادرة منزله. كما أنّ عدم إعلان خطة لا يعني بالضرورة عدم وجود أي استعدادات، لكنّ الاستعداد الذي لا يصل إلى الناس في صورة معلومات موثوقة وإرشادات عملية يفقد جزءاً أساسياً من جدواه.
وهنا تتضاعف مسؤولية الدولة ومؤسساتها، لا لتعلن أنّ الحرب آتية، ولا لتؤكد أنّها لن تقع، بل لتتعامل مع الاحتمالات بواقعية وشفافية. فالتخطيط للطوارئ ليس إعلاناً عن قرب الكارثة، كما أنّ الاستعداد للاحتمال الأسوأ ليس اعترافاً بالعجز أو دعوة إلى الهلع. إنّه ببساطة واجب تجاه الناس، وحقّ لهم في معرفة أنّ هناك مَن يفكّر في سلامتهم قبل أن تتحوّل المخاطر إلى واقع.
الحرب، إن اندلعت أم لم تندلع، أمر لا يملك أحد أن يجزم بمساره وموعده، والله وحده يعلم الغيب. أمّا البشر، فعليهم أن يقرأوا المعطيات، ويميّزوا بين المعلومات والتقديرات، ويعترفوا بحدود معرفتهم. فلا التهويل يصنع وعياً، ولا الإنكار يصنع أمناً، ولا فائض القوة يُغني عن خطط الحماية والاستجابة.
ما نحتاج إليه اليوم ليس مزيداً من التوقعات التي تحدّد ساعة الصفر، ولا تصريحات تُوزّع الطمأنينة بلا سند، بل خطاب إعلامي سياسي مسؤول يفصل بين الخبر والتحليل والشائعة، ويكشف مصادر معلوماته، ويصحّح أخطاءه، ويتجنّب تقديم الاحتمالات على أنّها حقائق. ونحتاج إلى مسؤولين يدركون أنّ مواقعهم تفرض عليهم الدقة.
ونحتاج، قبل كلّ شيء، إلى خطط علمية وعملية تحاكي الاحتمالين: احتمال ألّا تقع الحرب، فتستمر الحياة ويُحمى الاستقرار النفسي والاجتماعي؛ واحتمال أن تقع، فتكون هناك استعدادات واضحة تقلّل الخسائر وتحمي الأرواح وتؤمّن الحدّ الأدنى من مقومات الصمود.
كفى تهويلاً باسم التحليل… كفى إنكاراً باسم القوة..
كفى استخداماً لمخاوف الناس وقوداً للترندات..
ختامًا، قد يعجز أحد عن منع الحرب أو تحديد موعدها، لكن لا أحد معفيّ من مسؤوليته في ألّا يصنع حرباً إضافية في عقول الناس.




