
لا تبدو الدعوة الرسمية التي تلقّاها رئيس مجلس النواب نبيه برّي لزيارة تركيا ولقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وفق المعطيات المتداولة، مؤشّرًا كافيًا للقول إن زيارة برّي إلى أنقرة باتت وشيكة. مصادر عين التينة قالت لـِ “المدن” إن “الدعوات الخارجية التي تصل إلى رئيس المجلس ليست جديدة، ولا تقتصر على تركيا، بل سبق أن تلقّى دعوات لزيارة دول أخرى، في وقت تتواصل فيه الاتصالات حول ملفات لبنانية وإقليمية تتقاطع فيها مصالح عدد من العواصم”.
وتضيف المصادر أن برّي تلقّى منذ مدّة قصيرة دعوة لزيارة باكستان، الدولة التي تؤدّي دورًا في الاتصالات الإقليمية، إضافة إلى دعوات متكرّرة لزيارة فرنسا ولقاء الرئيس إيمانويل ماكرون. وبالتالي، فإن وصول دعوة جديدة من دولة بحجم تركيا يمكن قراءته في سياق أوسع من مجرّد تحديد موعد سفر، خصوصًا أن بيروت تحوّلت، خلال المرحلة الراهنة، إلى جزء أساسي من نقاشات إقليمية ودولية تتصل بأمن المنطقة، وبالوضع في الجنوب تحديدًا.
وتحظى مثل هذه الدعوات بترحيب من برّي، الذي لطالما كانت له اتصالات وعلاقات سياسية مع عدد من العواصم، إلا أن الترحيب بالدعوة لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار فوري بالسفر. فالمسألة ترتبط أيضًا بالظروف السياسية والأمنية في لبنان، وبالأولويات التي يفرضها الوضع الداخلي، ولا سيّما في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتوتر على الجبهة الجنوبية.
أهمية تركيا
وتكتسب تركيا، في هذا السياق، أهمية خاصة، نظرًا إلى موقعها السياسي والإقليمي وعلاقاتها مع مختلف الأطراف الفاعلة في المنطقة. كما أن التواصل اللبناني مع أنقرة لا ينفصل عن شبكة الاتصالات الإقليمية التي تجري حول ملفات متعدّدة، من بينها أمن المنطقة، وتطورات الحرب، والجهود الرامية إلى منع اتساع رقعة المواجهة.
ووفق مصادر عين التينة، فإن برّي كان وما زال يسعى إلى تأمين أكبر مظلّة دولية للبنان في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر، الذي لم يتوقف رغم كل التنازلات التي قُدّمت، ومنها التفاوض المباشر واتفاق الإطار. والمظلّة، وفق المصادر، تبدأ أولًا من الدول العربية، إضافة إلى الفاعلين الإقليميين، ومن بينهم تركيا، التي تبدي مصادر برّي تقديرها لدعوتها.
وتقول المصادر إن برّي ليس بوارد اتخاذ قرار بالسفر في هذه المرحلة، “والجنوب بهذا الحال، ما بين قصف وتفجير وحرق وتدمير كل يوم”.
اتفاق الإطار
وفيما خصّ المفاوضات وجديدها، فإن مصادر عين التينة، وفي حديثها لـِ “المدن”، تستخدم توصيفًا: “الأمور جامدة وعلى حالها، وما سمعوا منّا ولا حطّوا على عيننا”. وهنا تعود الإشارة إلى حديث سابق لبرّي، الذي، رغم معارضته اتفاق الإطار، قال: “يحقّقوا شي ويحطّوا على عيني”.
وتسأل المصادر: ما مصير المناطق التجريبية؟ فسكان زوطر الشرقية يشاهدون حرقها كل يوم، كما هو حال المنصوري وكل القرى الحدودية، فيما النبطية الفوقا بلدة غير محتلة ولا يمكن لأهلها العودة إليها. وبعبارتَي “الإطار طار”، و”الرجوع عن الخطأ فضيلة”، تكمل المصادر، التي تحيّي موقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق، وليد جنبلاط، في هذا الشأن.
الضغط الأميركي
أما قوله المتكرر والمتعلّق بقدرة الرئيس دونالد ترامب وحده على لجم إسرائيل وجعلها تلتزم بالاتفاقات التي أبرمتها، فتشير المصادر إلى حديث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال استقباله رئيس الحكومة نواف سلام في واشنطن، الذي جدّد التزام الولايات المتحدة القوي بدعم لبنان.
وتقول المصادر إن المجال مفتوح للدبلوماسية ومحاولات الدولة إيجاد الحلول، وللمساعي الإقليمية المتعلّقة بالحرب الأميركية-الإيرانية وانعكاساتها على لبنان. وفي هذا الصدد، من الطبيعي أن يكون التوجّه بالكلام إلى الرئيس الأميركي، بحكم علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل.
أما ما إذا كان ذلك يعني التخلّي عن “فكرة ودور المقاومة” بكل أشكالها، فتردّ المصادر: “لا حاجة إلى تبرير الأمر، ولا إلى توضيحه. تاريخ برّي ومواقفه منذ تسلّمه رئاسة حركة أمل وحتى اليوم يجيب”.
وتضيف المصادر أن من يحاول “اختراع أو خلق نزاع بين حزب الله وحركة أمل، فإنه ضيّع وقته في السابق ويضيّعه الآن. نعم، قد يحصل تباين في المواقف، وذلك لأن حركة أمل وحزب الله تنظيمان، ولكن ذلك لا يعني عدم الاتفاق على المواضيع الجوهرية، وفي مقدّمها تحرير الأرض، وعودة الأسرى، ودحر العدوان، وإعادة الإعمار من دون أن يتكلّف لبنان المزيد من الدمار والقتل”.
وقد علمت “المدن” أن برّي كان قد تغيّب عن “التمشاية” اليومية لنحو خمسة أيام، وعاد إليها مؤخرًا، لأخذ قسط من الراحة، لكنه يتابع، بشكل مكثّف، الملفات التنظيمية لحركة أمل ودورها في مواكبة النازحين وأهل الجنوب، سواء مع المعنيين بالملف البلدي، أو كشافة الرسالة الإسلامية والدفاع المدني، ويعقد في سبيل ذلك اجتماعات بين الحين والآخر.
بواقعية تامة، يتعامل برّي مع مستجدات الوضع في المنطقة ولبنان. لا يبدو متفائلًا، ولا يعطي مساحة واسعة للتشاؤم، لكنه، وبشكل واضح، يرى أن إطار الحلول ليس في المدى القريب، وأنها تستدعي أولًا توافقًا داخليًا وحوارًا وطنيًا على ثوابت، في مقدّمها التحرير، فالانقسام والاتهامات والتحريض لن تنفع.



