غملوش: الأرض للإنسان والدولة للجميع والسيادة لا تكتمل إلا بدولة قادرة وعادلة

أكد رئيس جمعية “تنمية السلام العالمي” حسين غملوش أن “لبنان يقف أمام مرحلة لا يكفي فيها أن تُبحث ملفات الجنوب والسلاح والمفاوضات وما بعد اليونيفيل كلٌّ على حدة، بل المطلوب الإجابة عن سؤال أساسي: أي دولة نريد، وكيف نبني دولة قادرة على حماية أرضها وشعبها، واتخاذ قرارها السيادي وتنفيذه؟”.
وقال: “إن استعادة الأرض وبناء الدولة مسؤولية وطنية واحدة، فلا معنى للمطالبة ببسط سيادة الدولة من دون توفير القدرة والقرار والإمكانات للجيش اللبناني كي يمارس مهامه على كامل الأرض اللبنانية، كما لا يمكن المطالبة بحصرية السلاح والقرار من دون بناء دولة قادرة على حماية شعبها وأرضها ومؤسساتها”.
وأضاف: “السيادة ليست قرارًا يُتخذ فقط، بل قدرة على تنفيذه”.
وأشار غملوش إلى أن الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، والمراقبة والتحقق، وحماية المدنيين وعودتهم إلى أرضهم، ليست ملفات منفصلة.
وقال: “السؤال لا يجب أن يكون فقط: من سيحل محل اليونيفيل؟ بل: كيف تنتقل المسؤولية فعليًا إلى الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، وعلى أي أرض، وتحت أي ضمانات؟”.
ورأى أن “المرحلة المقبلة تحتاج إلى مسار متكامل يقوم على انسحاب إسرائيلي فعلي وقابل للتحقق، وتمكين الجيش من الانتشار وممارسة مهامه، وآلية فاعلة تضمن احترام الالتزامات وحماية المدنيين، ثم انتقال المسؤوليات تدريجيًا إلى مؤسسات الدولة اللبنانية”.
وأكد أن “أي دعم أو وجود دولي مقبل يجب أن يبني قدرة الدولة، لا أن ينشئ سلطة أمنية موازية لها أو يكرّس اعتمادها على الخارج”.
وقال: “الدعم الحقيقي لا يُقاس بحجم الحضور الخارجي، بل بما يتركه من دولة أقوى، وجيش أكثر قدرة، ومؤسسات أكثر استقلالًا”.
وفي شأن المسار التفاوضي، قال غملوش: “التفاوض ليس غاية، كما أن رفضه ليس غاية. المعيار هو مصلحة لبنان والنتائج التي تتحقق لشعبه”.
وسأل: “هل تتوقف الاعتداءات؟ هل يتحقق الانسحاب؟ هل ينتشر الجيش ويمارس سلطة الدولة؟ هل يعود الأسرى وأهل الجنوب إلى قراهم وبيوتهم وأراضيهم بأمان وكرامة؟ وهل تبدأ إعادة الإعمار؟”.
وأضاف: “بهذه النتائج تُقاس المفاوضات، لا بعدد الاجتماعات والتصريحات”.
وأكد غملوش أن “القرارات السيادية تُتخذ عبر المؤسسات الدستورية، لكن تنفيذها واستدامتها يحتاجان أيضًا إلى ثقة وطنية وشراكة حقيقية بين اللبنانيين”.
وقال: “إن لبنان لا يُبنى بالغلبة أو بإقصاء أي مكوّن، كما لا يجوز أن تتحول الدولة إلى حصص بين الطوائف والأحزاب. الشراكة الوطنية لا تعني تقاسم الدولة، وإنهاء المحاصصة لا يعني إلغاء التنوع”.
ودعا إلى “الانتقال من المحاصصة إلى المواطنة، ومن تقاسم النفوذ إلى بناء المؤسسات، ومن الولاءات الخاصة إلى الولاء للدستور والقانون والشعب والدولة، وفتح مؤسسات الدولة أمام الأكفأ والأكثر نزاهة وقدرة على خدمة الناس، بصرف النظر عن طائفتهم أو معتقدهم أو انتمائهم”.
وقال: “الشعب ليس تابعًا للدولة، بل هو مصدر شرعيتها وغاية وجودها؛ والدولة لا تُبنى فوق الناس، بل بهم ومن أجلهم”.
وشدد غملوش على أن “لبنان يمتلك شبابًا متعلمًا وكفاءات وأصحاب اختصاص، فيما ينتظر كثيرون فرصة عمل أو يغادرون وطنهم، في وقت تحتاج فيه الدولة إلى طاقاتهم في الجيش والقوى الأمنية والإدارة والتكنولوجيا والبنى التحتية والخدمات”.
ودعا إلى جعل الاستثمار في الإنسان اللبناني جزءًا من بناء الدولة، عبر التدريب والتأهيل وفرص العمل، واعتماد الكفاءة والنزاهة والاختصاص بدل الواسطة والمحاصصة، وإلى أن يسهم الدعم الدولي في تدريب اللبنانيين ونقل المعرفة والتكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية وخلق الفرص.
وقال: “المساعدة التي يحتاجها لبنان هي التي تنقل القدرة إليه، لا التي تجعل حاجته إليها دائمة. لبنان غني بأبنائه؛ وما يحتاجه هو دولة تستثمر فيهم بحسب كفاءاتهم، وتحمي حقوقهم بالمساواة، وتمنحهم سببًا للبقاء والمشاركة في بناء وطنهم”.
وأكد غملوش أن “بناء الدولة يبدأ من الإنسان، وأن الدولة التي تستعيد أرضها ولا يستطيع أبناؤها العيش عليها بأمان وكرامة تبقى سيادتها ناقصة”.
وأضاف أن السيادة لا تنفصل عن العدالة والإصلاح الإداري والاقتصادي والقضائي، وحماية حقوق الناس وأموالهم، ومكافحة الفساد وإنهاء المحاصصة.
وقال: “لا تتصارعوا على من يحكم الدولة… ابنوا الدولة أولًا. ابنوا دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى زعيم أو طائفة للحصول على حقه؛ دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والعدالة للجميع، والفرصة متاحة للجميع”.
وأكد غملوش أن لبنان يحتاج إلى أصدقائه ومحيطه العربي والمجتمع الدولي، بوصفهم شركاء في بناء قدرته، لا بدلاء عن دولته.
وقال: “من يريد أن يكون قريبًا من لبنان، عليه أن يكون قريبًا من جميع اللبنانيين. لا نريد من أصدقاء لبنان أن يختاروا بين اللبنانيين؛ نريدهم إلى جانب لبنان الدولة، ولبنان الشعب، ولبنان المؤسسات”.
وختم: “لبنان لا يحتاج إلى أن ينتظر الآخرين ليحددوا شكل دولته ومستقبله، ولا إلى أن يعزل نفسه عن العالم؛ بل إلى دولة تعرف ماذا تريد، وشعب شريك في بنائها، ومؤسسات قادرة على تنفيذ قرارها، وشراكات دولية تعزز قدرتها ولا تحل محلها. فالسيادة لا تكتمل على الخرائط فقط، بل عندما يستطيع المواطن أن يعود إلى بيته وأرضه ومصدر رزقه بأمان وكرامة، ويجد دولة تحميه وتصون حقوقه. لبنان الذي نريده ليس دولة غلبة ولا دولة محاصصة، بل دولة مواطنة وعدالة وكفاءة؛ يكون فيها الإنسان غاية الدولة، والقانون مرجعها، والمؤسسات أداتها، والسيادة مسؤوليتها، وخدمة جميع اللبنانيين معيار نجاحها. فالأرض ليست للمساومة، والدولة ليست غنيمة، والسيادة ليست شعارًا. والغاية من استعادة الأرض أن يعيش عليها الإنسان حرًا وآمنًا وكريمًا، والغاية من بناء الدولة أن تكون قادرة على حماية هذا الإنسان وهذه الأرض معًا”.




