إضراب عام في القطاع العام احتجاجاً على “تقسيط” حقوق الموظفين
"العربي الجديد":

أعلن تجمع روابط القطاع العام في لبنان (العسكريين والمدنيين)، إضراباً عاماً اعتباراً من صباح الاثنين 10 أغسطس/ آب، يليه تصعيد تدريجي من خلال التظاهر والاعتصامات وسائر الخطوات التحركية، إلى حين التراجع عن هذا المرسوم وتصحيح المخالفة وإعادة الأمور إلى نصابها القانوني. وحمّل التجمع الحكومة مجتمعة كامل المسؤولية عن أي تداعيات أو نتائج قد تنتج من هذا التحرك، باعتبار أن هذا التصعيد جاء نتيجة مباشرة لقرارها بتقسيط المستحقات المالية، وعدم استجابتها للمطالب المحقة والقانونية لأصحاب الحقوق ومنها دفع كامل الحقوق دفعة واحدة دون تجزئة.
واستنكر التجمع في بيان يوم السبت، إقرار مجلس الوزراء مرسوم “تقسيط” المستحقات المالية الناتجة من المفعول الرجعي، وقال إن ذلك مخالفة واضحة لما انتهى إليه رأي مجلس شورى الدولة، مؤكداً أن القانون لا يجيز تقسيط هذه المستحقات، وداعياً إلى حذف المادة المتعلقة بالتقسيط واعتماد دفعها دفعة واحدة.
ورأى أن هذا المرسوم يشكل تجاوزاً خطيراً للأصول القانونية ومبدأ المشروعية، واستخفافاً بدور مجلس شورى الدولة، ويطرح علامات استفهام جدية حول مدى احترام السلطة التنفيذية للقوانين التي أقرها مجلس النواب، ولا سيما القانون رقم 44/2026 الذي أقرّ الاعتمادات اللازمة لتحسين أوضاع العاملين والمتقاعدين.
وعبّر عن رفض سياسات وزير المالية ياسين جابر، وقال إنها “قائمة على التهويل والتذرع بعدم توفر الأموال كلما تعلق الأمر بحقوق الموظفين والهيئات التعليمية والعسكريين والمتقاعدين والمتعاقدين وسائر أصحاب الدخل المحدود، فيما تظهر قدرة الدولة على تأمين الأموال لفئات وجهات أخرى”.
واعتبر أن الوزير يتخذ منحىً واضحاً في الالتفاف على حقوقنا وعلى مسار تحسين الرواتب الذي أقره مجلس الوزراء بتاريخ 16 فبراير/ شباط 2026، والقاضي بتحسين رواتب الموظفين والمتقاعدين تدريجياً، وصولاً إلى ما يقارب 50% من قيمتها الفعلية قياساً إلى عام 2019، اعتباراً من يناير/ كانون الثاني 2027، أي ما يعادل نحو ثلاثين ضعفاً لما كانت عليه الرواتب آنذاك. وإن تقسيط المفعول الرجعي والتهرب من دفع المستحقات كاملة يشكلان محاولة لضرب هذا المسار والالتفاف على القرار الذي أقرّ تحسين أوضاعنا المعيشية”.
وقال: “المال العام يجب أن يُدار وفق القانون والعدالة والأولويات الوطنية، لا وفق الانتقائية أو الاستنسابية. وحقوق الموظفين والعسكريين والمتقاعدين ليست منّة من أحد، ولا يجوز تحويلها أداة للضغط أو المساومة أو التأخير، كذلك لا يجوز تقسيطها بقرار إداري عندما لا يجيز القانون ذلك”.
وحمّل التجمع “مجلس الوزراء، ولا سيما وزير المال، المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا القرار”، داعياً إياهم إلى “التراجع الفوري عن المرسوم، والتزام أحكام القانون رقم 44/2026، واحترام رأي مجلس شورى الدولة، واعتماد دفع كامل المستحقات الناتجة من المفعول الرجعي دفعة واحدة”.
رفض تقسيط فروقات المفعول الرجعي
بدوره، تابع “اللقاء الوطني للعاملين في القطاع العام” باستياء قرار مجلس الوزراء القاضي بتقسيط فروقات المفعول الرجعي المستحقة عن ستة أشهر من زيادة الرواتب على مدى سنة كاملة، معتبراً أنه ضربة جديدة لحقوق الموظفين والمتقاعدين واستخفاف بمعاناتهم وبمبدأ سيادة القانون. وقال في بيان: “إن الحكومة، التي يفترض أن تكون أول من يحترم القانون، اختارت مرة جديدة أن تجعل الموظف والمتقاعد الحلقة الأضعف، فتطلب منه الانتظار عاماً كاملاً للحصول على حق مالي مستحق، بدل دفعه كاملاً كما تقتضي الغاية من الزيادة ومفعولها الرجعي”.
واعتبر أن تقسيط المفعول الرجعي على سنة كاملة يفرغ الغاية من القانون من مضمونها، وانتهى إلى حذف مادة التقسيط ودفع المستحقات العائدة للمفعول الرجعي دفعة واحدة. وتساءل “اللقاء الوطني”: “فماذا فعلت الحكومة؟ بدل أن تصغي إلى الرأي القانوني لمجلس شورى الدولة، اختارت التقسيط! ونحن لا ندّعي أن الرأي الاستشاري لمجلس شورى الدولة هو حكم قضائي مبرم وملزم”.
وتابع: “إن ما يزيد المشهد استفزازاً، أن الحكومة تطلب من الموظف والمتقاعد الانتظار عاماً كاملاً للحصول على فروقات مستحقة، في وقت أُقرت فيه، وفق الأرقام المتداولة، زيادات كبيرة على مداخيل النواب والوزراء، الحاليين والسابقين وعائلات المتوفين. وسأل الحكومة عن مصير الإيرادات المحصلة من الضرائب والرسوم المختلفة، ومنها الرسوم المفروضة على المحروقات والرسوم الجمركية وغيرها.
وقال: “إذا كانت الدولة قد فرضت هذه الرسوم والضرائب بحجة تأمين موارد الخزينة، وإذا كانت حقوق الموظفين والمتقاعدين من أولى النفقات التي يفترض تأمينها، فأين ذهبت هذه الأموال؟”. وطالب بإجابة واضحة وشفافة، متسائلاً: “كم جرى تحصيله؟ وأين أُدرجت هذه الإيرادات؟ وفي أي أبواب صُرفت؟ ولماذا لا تُستخدم لتسديد حقوق الموظفين والمتقاعدين؟”.
وأكد أن “فروقات المفعول الرجعي ليست منحة من الحكومة، ولا مساعدة اجتماعية، ولا مكرمة سياسية، بل هي حق مالي مستحق. والـ50 دولاراً التي تريد الحكومة تقسيطها شهرياً ليست مجرد رقم في حسابات وزارة المالية، إنها جزء من حق موظف أو متقاعد يواجه يومياً الغلاء وارتفاع كلفة الغذاء والدواء والنقل والخدمات”.
لذلك، طالب “اللقاء الوطني” الحكومة بـ:
• التراجع عن قرار تقسيط فروقات المفعول الرجعي.
• دفع كامل المستحقات عن الأشهر الستة دفعة واحدة.
• التزام القانون رقم 44/2026 وعدم استحداث آليات لا ينص عليها.
• نشر كشف شفاف بالإيرادات التي حُصِّلَت وأوجه إنفاقها.
• وقف سياسة تحميل الموظفين والمتقاعدين وحدهم أعباء الأزمة المالية.
• اعتماد معيار واحد في الدولة: الحقوق للناس كما هي، والامتيازات لا تكون على حسابهم.
وحذر الحكومة من أن سياسة الاستهانة بحقوق الموظفين والمتقاعدين لن تمر بهدوء، مؤكداً أن من يظن أن الموظف والمتقاعد سيبقيان صامتين أمام سياسة التأجيل والتقسيط، عليه أن يعيد حساباته. وأشار إلى أنه إذا أصرت الحكومة على إدارة الدولة بمنطق المحاصصة والامتيازات من جهة، والتقشف على حساب أصحاب الحقوق من جهة أخرى، فإن اللقاء لن يتردد في تصعيد تحركه النقابي، وصولاً إلى كل الوسائل القانونية المشروعة دفاعاً عن حقوق العاملين والمتقاعدين”.
بدوره، قال النائب أشرف ريفي: “أقف إلى جانب الموظفين العسكريين والمدنيين، في الخدمة الفعلية والمتقاعدين، في حقهم الطبيعي في دخلٍ عادل يؤمّن لهم ولعائلاتهم العيش الكريم والاستقرار. وأؤيد دفع كامل فروقات المفعول الرجعي من دون تقسيطٍ أو تسويف، فهذه حقوقٌ مستحقة وليست مِنّة. ولا يجوز للدولة أن تطلب من موظفيها وعسكرييها التضحية، ثم تتركهم يواجهون الغلاء برواتب لا تكفي للحياة”.
وتابع: “إن قوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها، ولا يجوز أن يكون لموظف الدولة ربّ عمل آخر غير الدولة، بما قد يعرّضه لتعدد الولاءات أو تضارب المصالح. لكن تحقيق ذلك يتطلب راتباً رسمياً كافياً لحياة كريمة. وللأسف، فإن تدني الرواتب دفع، تحت ضغط الحاجة والعوز، إلى التساهل مع اضطرار بعض الموظفين إلى العمل خارج مؤسسات الدولة”.
وأكد بقوله: “نريد موظفاً ولاؤه للدولة وحدها، وهذا الولاء يحتاج إلى دولة تصون كرامته وتحمي حقوقه وتؤمّن له ولعائلته الاستقرار. فلا يمكن بناء دولة قوية وسيدة، فيما جيشها وقواها الأمنية وموظفوها ومتقاعدوها يعيشون في القلق والعَوز”.




