واشنطن تفشل في إبعاد الصين عن إيران… وشي يرى مذكرة التفاهم طريقًا للحل
المصدر: صحيفة البناء

خرج الملف الإيراني من قمة الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ بحقيقتين متقابلتين. السفير الأميركي لدى الصين ديفيد بيرديو قال إن ترامب أبلغ ضيفه بأن مساعدة بكين لطهران «غير مقبولة». لكن البيان الصيني الصادر بعد اللقاء دعا واشنطن وطهران إلى العودة لمذكرة تفاهم إسلام آباد، وصولاً إلى اتفاق شامل. وأكد ترامب، في ختام زيارة شي، أن حرب إيران كانت موضع بحث بينهما، من دون أن يتحدث عن تفاهم بشأنها. الفارق بين ما أرادته واشنطن وما أعلنته بكين هو أول حصيلة سياسية ظاهرة للقمة، فالضغط الأميركي لم يدفع الصين إلى الابتعاد عن إيران أو إلى التخلي عن المذكرة إطاراً للحل. ثم جاء ترحيب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بموقف شي ليؤكد أن طهران قرأت الإعلان الصيني دعماً للمسار الذي تتمسك به. أما القول إن ترامب وافق عليه، فلا يسنده إعلان أميركي حتى الآن، لكن الاستنتاج الأرجح أن ترامب لم يرفض المذكرة بصورة تدفع بينغ لعدم إحراجه بذكرها في بيانه الختامي.
تزداد دلالة الموقف الصيني عند وضعه إلى جانب ما أعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مؤتمره الصحافي في نيويورك. فقد كشف عن خطة أُبلغت إلى واشنطن عبر الوسطاء، تقوم على تنفيذ خطوات خلال سبعة أيام تنتهي بإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف التفاوض على اتفاق نهائي. وأوضح أن العدّ يبدأ في اليوم التالي لموافقة واشنطن على الخطة، وأن المطالب الإيرانية لا تخرج عن سقف مذكرة إسلام آباد. وقال أيضاً إنه تشاور مع الصين بشأن المقترح وإنها تدعمه. وهكذا تلتقي الدعوة الصينية بعد القمة مع عرض إيراني يضع أمام ترامب طريقاً عملياً للتراجع عن التهديد بالتصعيد، يبدأ بتنفيذ الالتزامات التي تطلبها طهران، ويُفتح المضيق وفق جدول قصير ومعلن. لكنها، حتى اللحظة، فرصة معروضة وليست اتفاقاً نافذاً؛ فعراقجي ينتظر الرد الأميركي.
في مضمون الخطة تكمن العقدة الفعلية. إيران تطلب رفع الحصار البحري، والإفراج عن أموالها، ووقف الحرب على الجبهات المرتبطة بها، بما فيها لبنان، قبل اكتمال إعادة فتح هرمز. وفي المقابل، نقلت «رويترز» عن مصادر مطلعة بحثَ ترتيب مرحلي يربط فتح المضيق برفع الحصار، مع استمرار الخلاف حول مَن يقدّم الخطوة الأولى. وزاد مسؤول إيراني التشديد على الفصل بين الأمرين بقوله إن قبول واشنطن مقترح هرمز لا يعني حصولها على تنازلات إيرانية في الملف النووي. لذلك لا يكفي التفاؤل الذي أبداه ترامب حين سُئل عن فرص فتح المضيق؛ لأن المعيار يبقى في موقفه من تسلسل الخطوات الذي عرضته خطة عراقجي.
أما الرهان على تغيير في موازين القوى فلم تعد ساحته مضيق هرمز بعد التغييرات في مضيق باب المندب، وتتركز الأنظار على الجبهة اليمنية، حيث تبدو حركة الأحلاف رداً على تبدّل الميدان أكثر منها جواباً عنه، بعدما تحدثت تقارير عن توجه قيادات عسكرية باكستانية وتركية إلى الرياض لإجراء مشاورات عاجلة، بعد إعلان أنقرة استعدادها لتلبية احتياجات عسكرية سعودية في إطار اتفاق الدفاع الثلاثي. ووافقت بريطانيا على دعم محدود لتزويد الطائرات السعودية بالوقود جوّاً، فيما طُرح دعم فرنسي لحماية منشآت الطاقة في ينبع. لكن هذه التحركات محددة الوظيفة: مشاورات، وإسناد جوي، وحماية منشآت؛ ولا تشكل حتى الآن إعلاناً عن قوة برية قادرة على عكس النتائج التي فرضتها قوات صنعاء على الساحل.
يعترف الجميع بانتقال ميزان القتال على الأرض مع سقوط المخا وتقدّم قوات صنعاء نحو منطقة باب المندب، بعد تعثر القوات المدعومة سعودياً في وقف الهجوم. وهذه هي العقدة التي لا يزيلها توسيع التحالفات البحرية أو زيادة الإسناد الجوي: مَن سيقاتل برّاً ليستعيد المواقع، وبأية قوة يمنية؟ التجربة الأخيرة قدّمت جواباً ميدانياً قاسياً على الرهان الذي سبقها؛ إذ انتهى التحضير للهجوم على صنعاء بانقلاب الصورة على الساحل الغربي. ونقلت «أكسيوس» أن ترامب درس ضربات ضد الحوثيين ثم أحجم عنها، وسط الخشية من اتساع المواجهة. لذلك يبقى اليمن حاضراً في حساب التسوية الأميركية الإيرانية: يمكن للأحلاف أن ترفع كلفة الحرب أو تحمي بعض المنشآت، لكنها لم تُظهر بعد قدرة على تغيير المعادلة البرية التي جعلت باب المندب جزءاً من الأزمة.




