
كتبت صحيفة “البناء”: تقدّمت التسوية الأميركية الإيرانية خطوة إضافية مع نجاح طهران في تثبيت القيمة الاستراتيجية لمضيق هرمز، عبر التفاهم مع سلطنة عُمان على صيغة إدارة اتحادية مشتركة، تراعي المصالح الأمنية لدولتي الشاطئ وتجعلهما مرجعية أي مسار ملاحي قائم أو جديد. وبذلك سقط المشروع الأميركي الذي قام على إنشاء ممر عُماني منفرد، يفتح المضيق من دون إيران ويجردها من موقعها السيادي، بعدما ثبت أن لا ملاحة آمنة ولا ضمانات تأمينية ولا عبور مستقر يمكن تحقيقها خارج التفاهم مع طهران.
لم تعد التفاصيل الباقية حول الرسوم والتفتيش وتوزيع صلاحيات الدخول والخروج تحدد هوية الرابح والخاسر. فقد تحقق المكسب الإيراني الرئيسي بمجرد إقرار الشراكة الإيرانية العُمانية، وإدراج المصالح الأمنية للدولتين ضمن قواعد تنظيم العبور. أما الرسوم، سواء كانت إلزامية أو طوعية، ونسبتها وآليات تحصيلها، فهي أرباح إضافية إذا تحققت، ولا يحول عدم تحققها الانتصار الإيراني إلى خسارة.
تعزز الاعتقاد بوجود موافقة أميركية على جوهر الصيغة الجديدة، بعدما أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أول من أمس أن واشنطن منخرطة في المفاوضات الإيرانية العمانية سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وقُرِئ قرار وزارة الخزانة الأميركية رفع العقوبات عن شركة «فلاي بغداد» وطائرتين تابعتين لها، كانت واشنطن قد أدرجتها على قوائم مكافحة الإرهاب بسبب صلتها بفيلق القدس، تعبيراً عن رسالة أميركية إيجابية لنتائج التفاوض الإيراني العماني رغم نفي وزارة الخزانة وجود علاقة بين القرار والمفاوضات، لكن مصادر دبلوماسية خبيرة في الاتفاقات الدولية قللت من قيمة هذا التوضيح، معتبرة أنه يستهدف امتصاص اعتراضات المتشددين الأميركيين و”إسرائيل”. فلو كان القرار إدارياً روتينياً، لكان ممكناً تأجيله، أما صدوره بالتزامن مع إنجاز تفاهم هرمز فيجعله رسالة بناء ثقة تشير إلى تقدم البحث في العودة إلى مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية.
تبقى عقدة لبنان حاضرة في هذا البحث، لأن البند الأول في المذكرة يتعلق بوقف الحرب على لبنان وضمان سيادته ووحدة أراضيه. وتحاول واشنطن وتل أبيب والسلطة اللبنانية القول إن الاتفاق اللبناني الإسرائيلي برعاية أميركية يحقق هذا الهدف، وإن المسار التفاوضي القائم يشكل بديلاً فعالاً من ربط لبنان بالتفاهم الأميركي الإيراني.
لكن ما جرى في الجنوب قطع الطريق على تسويق هذه الصورة. فخلال انعقاد جولة روما، أصدر جيش الاحتلال إنذارات إخلاء بلدات جنوبية وشن غارات جديدة، أدّت إحداها على تبنين إلى استشهاد مواطن وإصابة اثني عشر آخر. وأكدت الاعتداءات أن الحرب على لبنان لم تتوقف، وأن “إسرائيل” لا تزال تتعامل مع الاتفاق باعتباره غطاء لحرية عملها العسكري، لا إطاراً ملزماً للانسحاب ووقف العدوان.
هنا يستعيد المثل الفرنسي المتداول معناه: «روما من فوق غير روما من تحت». فمن فوق تبدو روما مدينة تفاوض ووفود واجتماعات ووعود باستمرار المسار، أما من تحت، أي عند معاينة نتائجها على الأرض، فلا يظهر سوى الغارات وإنذارات الإخلاء والاحتلال ومنع السكان من العودة وتعطيل الإعمار. ولذلك بدت الجولة تفاوضاً لأجل التفاوض، هدفه إثبات أن مساراً لبنانياً إسرائيلياً لا يزال قائماً، لا إنتاج جدول زمني للانسحاب أو آلية ملزمة لوقف الاعتداءات.
ولا يستطيع بنيامين نتنياهو، عشية الانتخابات، تقديم السياسة على الأمن أمام جمهوره. فهو يحتاج إلى إظهار أن المفاوضات لم تنتزع من جيش الاحتلال حرية الحركة، وأن بقاء المنطقة الأمنية والتحكم بعودة السكان والإعمار لا يزالان أداتين للضغط من أجل نزع سلاح المقاومة. وبذلك يبقى لبنان العقدة الأشد تعقيداً أمام العودة إلى مذكرة التفاهم، بعدما أنجزت إيران الجزء الأساسي من معركة هرمز.




