انتقال من الدفاع إلى الهجوم | إيران لأميركا: نحن مَن يحدّد قواعد اللعبة
محمد خواجوئي

لم تدُم حال الهدوء بين إيران والولايات المتحدة حتى أسبوع كامل. غير أن الفارق هذه المرّة -خلافاً للجولات السابقة- تمثّل في أن طهران هي التي افتتحت الاشتباك، وذلك عبر الهجوم الذي شنّته، فجر أول من أمس، على قاعدة أميركية في الأردن، في ما أوحى بتحوّل كبير في نمط السلوك الإيراني في مواجهة واشنطن. وتعني المبادأة بالهجوم أن إيران تجاوزت حساباتها السابقة القائمة على معادلة «الردّ بالمثل» وتخفيض التصعيد التبادلي، لتسعى اليوم إلى تثبيت معادلة جديدة مفادها أن زمام المبادرة باتت في أيديها، وأنها لن تنجرّ إلى لعبة «الحرب والمفاوضات» وفق النمط الذي تحدّده الولايات المتحدة.
فبعد هدنة 8 نيسان، تصوّرت واشنطن أنها قادرة أحادياً على تحديد توقيت الحرب والهدنة؛ فتضرب متى تشاء، وتعلّق العمليات متى احتاجت إلى إعادة تجميع قواها تحت مسمّى «فرصة التفاوض». غير أن إيران نسفت هذه القاعدة، ويبدو أنها اتخذت قراراً استراتيجياً بتحويل هاتَين النقطتين تحديداً، إلى مكمن قوة. إذ جاءت الضربة على الأردن، بعد أيام من هدنة غير معلَنة لجأت إليها واشنطن من جانب واحد، ليدفع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نفسه إلى الاعتراف بأن الهجوم الإیراني کان «مفاجئاً»، وأنه لم يترك لقواته سوى هامش زمني ضيّق لرصد الصواريخ واعتراضها.
وبناءً على ذلك، يتردّد في الأوساط الأمنية والعسكرية الإيرانية أن طهران كرّست عبر ضربتها في الأردن تحوّلَين أساسيَّين: الأول، أنها لم تعُد تلتزم بأيّ هدنة تفصّلها واشنطن، وأن الطرف الذي كان يعتمد المباغتة بات عليه اليوم أن يتذوّق طعم المفاجأة؛ والثاني، أن إيران لن تجلس إلى طاولة المفاوضات لمجرّد تلقّيها عرضاً أميركياً، بل باتت تتحرّك حصراً وفق أجندتها وحساباتها الخاصة.
واللافت أن التحوّل الإيراني نحو اعتماد الضربات الاستباقية، بدأت ترجمته بعد ساعات فقط من لقاء الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في واشنطن؛ علماً أن لقاءات الرجلَين كانت اقترنت، خلال العامين الماضيين، بموجات تصعيد متتالية ضدّ إيران. غير أن طهران، عبر هجومها على الأردن، وجّهت رسالة مفادها أنها لم تعُد تنتظر ما يُخطَّط له في واشنطن وتل أبيب، بل تسعى إلى رسم قواعد الاشتباك وفق إيقاعها الخاص.
كذلك، ركّزت إيران في هجماتها الجديدة، وبشكل غير مسبوق، على قاعدة «موفق السلطي» الجوية في الأردن. وتُعدّ هذه القاعدة، بموقعها الاستراتيجي عند نقطة التلاقي بين الأردن وسوريا والعراق، مركز الاستطلاع الاستخباري والعمليات الجوية الأميركية الممتدّة على مساحة المنطقة، وهي شكّلت خطّ الدفاع الأول لاقتفاء أثر الصواريخ والمسيّرات الإيرانية واعتراضها، وجزءاً رئيساً من منظومة الدفاع المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
ثلثا الأميركيين يرون أن الحرب غير مجدية ويعارضون ترامب في خوضها
وبعد أن أضحت قاعدة «العديد» في قطر عرضة للتهديد، حوّلت واشنطن قاعدة «موفق السلطي» إلى عقدة أمنية أكثر أماناً لغرف القيادة والعمليات الجوية، مستفيدةً من بعدها النسبي عن إيران وقربها في آن واحد من العراق وسوريا وفلسطين المحتلة. وتُعتبر القاعدة حالياً مقرّ تمركز لمسيّرات «MQ-9»، ومقاتلات «F-15» و«F-16»، وطائرات الإسناد الهجومي «A-10»، فضلاً عن البنى التحتية الثقيلة الخاصة بالاستطلاع والدعم الجوي الأميركي.
وعقب الهجمات الإيرانية على الأردن، استهدفت الولايات المتحدة، صباح أمس، أهدافاً في جنوب إيران وغربها، لتردّ طهران، تالياً، بضربات جديدة طاولت مناطق في الكويت والأردن، في سلسلة من الاشتباكات يُرجَّح أن تستمر. وفي هذا الإطار، أعلن «الحرس الثوري»، أمس، أن «مضيق هرمز غير قابل لإعادة الفتح ما دامت التهديدات والادّعاءات الصادرة عن المسؤولين الأميركيين مستمرة، وما دام تدخّلهم قائماً في الحركة البحرية في المنطقة». وأضاف البيان، من دون تسمية أيّ دولة، أن «الدول التي تتدخّل في مساعدة المعتدي، إن لم تُصلح سلوكها، ستتلقى رداً قاسياً». كذلك، حذّر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، خلال اتصالَين هاتفيَّين منفصلَين مع نظيرَيه البلغاري والقبرصي، من استخدام الولايات المتحدة أراضي هذين البلدين في الهجوم على إيران، محمّلاً إياهما مسؤولية تبعات هذا الأمر.
وبالتوازي مع تصاعد التوتر العسكري واتّساع رقعة الحرب في المنطقة وامتدادها إلى العراق وحتى مصر، ودخول السعودية على خطّ المواجهة، تتحرّك الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد ببطء. وفي هذا الإطار، تقول باكستان، بصفتها وسيط تفاهم 18 حزيران بين إيران والولايات المتحدة، إنها لا تزال تواصل مساعيها لإعادة طهران وواشنطن إلى طاولة التفاوض ضمن إطار التفاهم نفسه. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، للصحافيين، إن المفاوضات «لا تزال مستمرة رغم تصاعد الاشتباكات»، مؤكداً «أننا نبذل أقصى جهودنا لإعادة جميع الأطراف إلى تفاهم إسلام آباد». وبحسب قوله، فقد شجّعت باكستان الطرفين على «الالتزام الكامل بتعهداتهما بشأن عقد الحوارات الفنية».
ويأتي هذا في وقت لم تُفضِ فيه المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن تحديد آلية عبور السفن عبر مضيق هرمز إلى نتيجة، وذلك رغم وصف الجانبين لها بأنها كانت مفيدة. والظاهر أن الخلافات حول وضعية المضيق لا تزال قائمة؛ وهو ما يفتح المجال أمام مزيد من التصعيد العسكري.
إلى ذلك، يواجه ترامب مزيداً من الضغوط الداخلية لوقف الحرب؛ إذ بحسب أحدث استطلاع رأي لوكالة «أسوشيتد برس» ومركز «نورك» للأبحاث، فإن ثلثَي الأميركيين يعتبرون المواجهة مع إيران غير مجدية، وأنها لم تكن تستحق كلّ هذا الجهد والعناء.




