
وسط جمود حقيقي في الاتصالات السياسية الداخلية، والانقسام الكبير حول عناوين المرحلة، بدت محاولة النائب جبران باسيل خلق مسار مختلف، جديرة بالاهتمام، خصوصاً أن لغة العزل والانعزال عادت إلى الظهور بقوة أخيراً، بالتزامن مع حملة تحريض طائفي ومذهبي طاولت الجميع. وهو ما تطلّب محاولة جادّة، تمثّلت في مبادرة أطلقها رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، لجمع أكبر عدد من ممثّلي القوى الرئيسية في البلاد في مؤتمر هدفه إصدار وثيقة مبادئ تحت عنوان «حماية لبنان».
باسيل الذي تعرّض لحملة «شيطنة» سياسية دامت لسنوات طويلة، قبل أن يتمّ إبعاده عن السلطة منذ سنوات، يجلس مُحاطاً بكتل نيابية كانت حتى الأمس تتحاشى حتى نشر خبر عن لقائها به. وجاء لقاء فينيسيا كثمرة جهود منذ 4 أشهر. وكان لافتاً الحضور السنّي الوازن بحضور ممثّلين عن كتلة لبنان الجديد (النائب نبيل بدر) وجمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (النائب عدنان طرابلسي) والجماعة الإسلامية (النائب محمد الحوت) وكتلة الاعتدال الوطني وحزب الاتحاد (النائب حسن مراد). كذلك أصدر النائب فيصل كرامي الذي تغيّب عن اللقاء بياناً أعلن فيه تأييده لكل ما جاء في وثيقة الثوابت. وحضر عدد من نواب حركة أمل إلى جانب وفد من الحزب الديمقراطي مُمثِّلاً النائب طلال ارسلان، فيما تمثّل الحضور المسيحي بتيار المردة ونواب التيار الوطني الحر ونواب مستقلّين كوليم طوق وميشال المر وجميل عبود. وأيضاً سُجّل حضور المدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم ورئيس اتحاد المستثمرين اللبنانيين جاك صراف والنائب السابق لقائد القوات اللبنانية إيلي أسود.
غير أن اللافت كان غياب الحزب التقدّمي الاشتراكي رغم تأكيده الحضور، وقالت مصادر مطّلعة إن النائب السابق وليد جنبلاط لا يبدو راغباً بالمشاركة في أي لقاءات هذه الفترة، لكنه أرسل إلى باسيل موافقته على مضمون الوثيقة. أمّا حزب الله، فلم تُوجّه له الدعوة، كونه أعلن بعد اطّلاعه على مُسوّدة الوثيقة تحفّظه على بند حصر السلاح اليوم قبيل الانسحاب الإسرائيلي.
جنبلاط تجنّب الحضور وحزب الله اعتذر و«القوات» عارضت كل الفكرة
أمّا غياب «القوات اللبنانية»، فيعود إلى كونها تعاملت مع المؤتمر بعدائية وسلبية، كما تفعل إزاء أي دعوة إلى الحوار، وقد رفض قائد «القوات» سمير جعجع استقبال وفد التيار المُكلّف بتسليمه الدعوة. وثمّة من يضع هذا السلوك في إطار عدم رغبة «القوات» بالإقرار بنجاح باسيل في عقد لقاء سياسي موسّع، تخرج عنه ورقة سياسية معتدلة وجامعة للطوائف خلافاً للقاء معراب الذي اقتصر على فريق مُعيّن وأنتج «وثيقة حرب» .
ويتّخذ المؤتمر أهمية إضافية، بعد موافقة وتوقيع هذه الكتل والفعّاليات السياسية على وثيقة حملت عدة بنود، جرى النقاش ثم التوافق حولها ليصدر بيان ختامي يشدّد على ضرورة الالتزام بالدولة القوية التي تحتكر السلاح والقرار وتطالب بتحييد لبنان عن الحروب والصراعات. ومقابل التشديد على تحييد لبنان عن الحروب والصراعات، شدّد المجتمعون على مجموعة لاءات: لا للاحتلال الإسرائيلي، لا للفتنة الداخلية أو الأمن الذاتي، لا للتدخّل الأجنبي في الشؤون اللبنانية ولا للتقسيم والتجزئة والتوطين. كما ركّز البيان على دور الجيش في حماية لبنان وما يقتضيه ذلك من تسليحه وتعزيز قدراته، وأعلن تمسك الحاضرين باعتماد السلام العادل والشامل وفق مُقرّرات قمة بيروت 2002.
ويقول مستشار رئيس التيار الوطني الحر أنطوان قسطنطين: «إن العمل جارٍ لإيجاد صيغة تواصل بين هذه القوى في المحطات المفصلية الكبرى فلسنا أمام بريستول أو قرنة شهوان أو عين التينة، نحن أمام مشهد وطني جامع لا يسير وفق مصالح شخصية ضيقة».وكان النائب باسيل أشار إلى أن «هدف اللقاء ليس تشكيل جبهة سياسية أو تحالف دائم بل إطلاق مسار وطني يقوم على البحث عن المشترك الأكبر بين اللبنانيين بما يرسّخ خيار الدولة ومؤسساتها ووحدتها». ولفت إلى أن «الحل المرجوّ هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، تحرير الأسرى، عودة الأهالي، إعادة إعمار الجنوب، حصر السلاح بالكامل بيد الدولة، إقرار استراتيجية دفاع وطني، إقدار الجيش والمؤسسات الأمنية وعقد اتفاقيات أمن مشترك.




