اخبار محليةالرئيسية

واشنطن تريد “مناطق تجريبية”… وبري يتمسّك بنموذج 2006

جوزفين ديب- اساس ميديا

في 14 آب 2006 بعد وقف العمليّات الحربيّة بين إسرائيل و”الحزب”، كان المشهد واضحاً ومباشراً: انسحبت إسرائيل من المناطق التي احتلّتها، وانتشر الجيش اللبنانيّ بالتوازي مع قوّات الطوارىء العاملة في جنوب لبنان “اليونيفيل”، وعاد آلاف الأهالي إلى قراهم خلال أيّام، على الرغم من الدمار الكبير. يومها، كان الانسحاب خاتمة الحرب التي اندلعت في 12 تمّوز وبداية تنفيذ القرار 1701.

أمّا اليوم فإنّ أيّ حديث عن انسحاب إسرائيليّ يحمل معنى مختلفاً تماماً. فالمعادلة التي يجري العمل عليها في الكواليس الدبلوماسيّة لا تتحدّث عن انسحاب شامل يعقبه انتشار الجيش وعودة الأهالي، بل عن مسار طويل ومتدرّج، تتحوّل فيه كلّ خطوة إلى اختبار للدولة اللبنانيّة، ولكيفيّة تعاملها مع الجنوب، ومع “الحزب”، ومع الالتزامات الأمنيّة التي تطالب بها الولايات المتّحدة وإسرائيل.

انطلاقاً من هذا المعطى وغيره، تكتسب زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون لواشنطن أهميّةً لجهة أنّها تأتي بعد مسار طويل خاضه لبنان الرسميّ التزاماً للأجندة الدوليّة. ومن جهة ثانية، تأتي انطلاقة لمسار جديد على لبنان أن يتقدّم باتّجاهه خطوة خطوة للوصول إلى نزع سلاح “الحزب” بشكل كامل مقابل انسحاب كامل. وربّما المسار الذي تفتتحه الزيارة سيكون أصعب ممّا سبق.

بناء عليه، أجرى الرئيس عون قبيل سفره اتّصالاً برئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، الذي شدّد على ضرورة التمسّك بمطلب الانسحاب الإسرائيليّ الكامل من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة، وحمّله رسالة واضحة إلى المسؤولين الأميركيّين تؤكّد أنّ لبنان لا يمكنه القبول بأيّ صيغة تنتقص من هذا المبدأ. يحصل ذلك لأنّ ما دار بين برّي والسفير الأميركيّ ميشال عيسى في بيروت قبل أيّام أظهر بحسب معلومات “أساس” وجود تباين جوهريّ بين المقاربة اللبنانيّة والمقاربة الأميركيّة لمسألة الانسحاب.

واشنطن تريد “مناطق تجريبيّة”… وبرّي يتمسّك بنموذج 2006

بحسب مصادر دبلوماسيّة تحدّثت إلى “أساس”، لا تزال إسرائيل غير مستعدّة للتخلّي عن المواقع التي تعتبرها ذات أهمّيّة استراتيجيّة، ولا سيما تلك التي عملت على تعزيز وجودها العسكريّ فيها خلال الأشهر الماضية.

لذلك كلّ ما يُتداوَل عن انسحاب إسرائيليّ لا يعني، حتّى الآن، انسحاباً شاملاً، بل ضغوط أميركيّة لدفع إسرائيل إلى الانسحاب من عدد محدود من المناطق لتتحوّل إلى ما يشبه “مناطق تجريبيّة” يدخل إليها الجيش اللبنانيّ أوّلاً، مع تسجيل فارق أساسيّ في النظرة الأميركيّة نفسها إلى مهمّة الجيش. لا ترى واشنطن أنّ انتشار الجيش هو استعادة للسيادة اللبنانيّة، بل بداية مرحلة تنفيذيّة جديدة يكون فيها الجيش مطالَباً بالقيام بمهمّة أمنيّة تتجاوز الانتشار التقليديّ، عبر منع عودة البنية العسكريّة لـ”الحزب”، والعمل على نزع السلاح، في المناطق التي تسيطر عليها تحت متابعة مباشرة من الآليّات الأمنيّة التي تقودها الولايات المتّحدة.

بمعنى آخر، ليس الانسحاب، وفق المقاربة الأميركيّة، خطوة تسبق تنفيذ الالتزامات الأمنيّة، بل نتيجة مرتبطة بمدى نجاح الدولة في تنفيذ هذه الالتزامات.

هذا يختلف جذريّاً عن المقاربة التي لا يزال يتمسّك بها برّي، والتي تقوم على قاعدة بسيطة: انسحاب إسرائيليّ كامل وفوريّ، يعقبه مباشرة انتشار الجيش وعودة الأهالي، تماماً كما حصل بعد حرب تمّوز عام 2006، من دون تجزئة، ومن دون ربط الانسحاب بأيّ اختبارات سياسيّة أو أمنيّة لاحقة، بل ربطاً بالتزامات لبنانيّة واضحة لم يعد يثق بها المجتمع الدوليّ. مع أنّ “الاقتراح” لا يأخذ بعين الاعتبار الخلل الكبير في ميزان القوى.

الجنوب يدخل مرحلة الامتحانات

مع افتتاح عون في زيارته لمسار امتحانات مقبلة على الدولة، يدخل الجنوب مرحلة امتحانات لا يمكن أن تنتهي إلّا بعودة حرب أكثر تدميراً من التي سبقتها. المنطقة الأولى التي قد تنسحب منها إسرائيل ستكون امتحاناً للدولة. ودخول الجيش إليها سيكون امتحاناً، وطريقة تعامله مع “الحزب” ستكون امتحاناً آخر.

أمّا عودة الأهالي إلى قراهم فلن تكون هذه المرّة قراراً طبيعيّاً بعد توقّف الحرب، بل ستصبح هي أيضاً جزءاً من الامتحان لأنّ نجاح العودة أو تعثّرها سيدخل مباشرة في التقويم الأمنيّ والسياسيّ الذي ستُبنى عليه المرحلة التالية.

بحسب المصادر الدبلوماسيّة، تمنح هذه الآليّة التدريجيّة إسرائيل قدرة دائمة على وقف المسار أو تجميده متى اعتبرت أنّ الدولة اللبنانيّة لم تحقّق ما هو مطلوب منها، بحيث يتحوّل كلّ تقدّم إلى مرحلة مشروطة، وكلّ مرحلة إلى فرصة جديدة لإعادة خلط الأوراق.

من هذا المنطلق، تكتسب دلالة خاصّة المعلومات التي تفيد بأنّ الاجتماع العسكريّ الثلاثيّ اللبنانيّ – الأميركيّ – الإسرائيليّ، الذي كان يفترض أن يبحث ترتيبات الانسحاب، لم يُعقد حتّى الآن، لأنّ إسرائيل ليست مستعدّة بعد للدخول في نقاش فعليّ في آليّة الانسحاب أو جدوله الزمنيّ، في ظلّ تمسّكها بمواقع تعتبرها استراتيجيّة، وإصرارها على ربط أيّ انسحاب بتقدّم ملموس في الملفّ الأمنيّ.

بين النموذجين، يبدو أنّ الجنوب مقبل على واقع لم يعرفه بعد حرب تمّوز. يومها كانت العودة إلى القرى إعلاناً لانتهاء الحرب. أمّا اليوم فقد تتحوّل كلّ قرية يعود إليها أهلها، وكلّ موقع ينتشر فيه الجيش، إلى محطّة اختبار جديدة، تُبنى عليها الخطوة التالية… أو يُعاد عندها فتح أبواب التصعيد من جديد، لا سيما أنّ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لم يعد يملك ترف الوقت قبل انتخاباته المقبلة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى