اخبار محليةالرئيسية

عون مدافعاً عن الاتفاق… وسلام: ليس اتفاقاً

البناء

في لبنان استمرّ اتفاق 26 حزيران في صدارة السجال الداخلي في لبنان، لكن بصورة عكست تبايناً في مقاربة أركان السلطة أنفسهم؛ فقد خاض رئيس الجمهورية جوزف عون مواجهة إعلامية مباشرة للدفاع عن الاتفاق، مخصصاً اللقاء مع نقابتي المحامين للردّ على أبرز الاعتراضات القانونية والسياسية، ومحولاً دفاعه إلى مجموعة أسئلة تناولت السيادة، والبديل عن التفاوض، والمادة 13، وتشريع الاحتلال، والسلاح، والجدول الزمني للانسحاب. وفي المقابل، بدا رئيس الحكومة نواف سلام حريصاً على النأي بنفسه – كمرجع قانوني دولي – عن الأبوة القانونية للاتفاق، عندما أعلن أن لديه «مشكلة مع وصفه بالاتفاق الإطاري، فهذا ليس اتفاقاً»، في موقف قرأته أوساط قانونية على أنه محاولة للخروج من الإحراج الذي فرضته الاعتراضات الدستورية والحقوقية، ولا سيما أنه رئيس سابق لمحكمة العدل الدولية، وأن النص أثار أسئلة تتصل بالمادة 52 من الدستور والمادة 13 المتعلّقة بتعليق الملاحقات القضائية بحق “إسرائيل”.

فيما تواصل السلطة في لبنان الهروب إلى الأمام ومحاولة التخفيف من حجم الخطيئة الوطنية الكبرى التي اقترفتها، والتي ترقى إلى فعل الخيانة العظمى، وذلك عبر ادعاء رئيسي الجمهورية والحكومة بأنّ إعلان واشنطن هو «إطار» وليس «اتفاقاً»، فضحت التصريحات الإسرائيلية كذب السلطة من خلال التأكيد على أنّ جيش الاحتلال سيبقى في المنطقة العازلة، وسيحتفظ بحرية الحركة الأمنية والعسكرية، وسيستمر في تفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله، وذلك بموافقة الحكومة اللبنانية وفق اتفاق واشنطن. وقد زعم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أنّ «الاتفاق مع لبنان يقر بحق «إسرائيل» بالتمسك بالمنطقة العازلة في لبنان حتى نزيل تهديدات حزب الله»، فيما قال وزير الحرب في حكومة العدو يسرائيل كاتس، خلال مراسم تأبينية للجنود الذين قُتلوا في الحرب مع لبنان في العام 2006: «نحارب في لبنان لتغيير الواقع وليس لإعادة الوضع إلى ما كان عليه، ولن ننسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

ووفق تقدير جهات أمنية ودبلوماسية غربية، فإنّ الجيش الإسرائيلي لن ينسحب في المدى المنظور من الأراضي المحتلة، لا سيما تلك الواقعة في الخط الأصفر، بل سيعمل على توسيعها قدر الإمكان، كما سيحتفظ بحرية الحركة الأمنية في جنوب لبنان والبقاع، وسيخفض التصعيد في الضاحية الجنوبيّة وبيروت إلى أقصى حدّ في إطار ضغوط أميركية على تل أبيب بسبب المفاوضات مع إيران في سويسرا وقطر. ولفتت الجهات لـ»البناء» إلى وجود ضغوط أميركية – إسرائيلية لتطبيق بنود اتفاق واشنطن، لكن المهمة دونها معوقات وصعوبات تقنية وعسكرية وسياسية، فضلاً عن قدرات الجيش اللبناني المتواضعة وغياب المشاركة الفعّالة لقوات «اليونيفيل». كما أنّ الدراسة الأمنية والعسكرية أظهرت أنّ المنطقة التجريبية أو النموذجية ليست ذات فعالية ولا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، في ظل رفض إسرائيليّ للانسحاب قبل نزع سلاح حزب الله، واختيار مناطق تجريبية ليست محتلة، بموازاة رفض الجيش اللبناني التنسيق المباشر مع جيش الاحتلال، والعمل بموجب المناطق التجريبية التي حدّدها الجيش الإسرائيلي. وتتوقع الجهات مراوحة الوضع الأمني في الجنوب خلال المرحلة المقبلة، مع تصعيد متفاوت ارتباطاً بموقف حزب الله حيال الواقع القائم أولاً، وتطورات المشهد السياسي والانتخابي والشعبي الإسرائيلي ثانياً، ومسار المفاوضات الأميركي –الإيراني في سويسرا وقطر ثالثاً.

وتشير مصادر مطلعة على موقف المقاومة لـ»البناء» إلى أنّ قيادة حزب الله ترصد ظروف الميدان والحركة العسكرية الإسرائيلية، وتكتفي بتنفيذ بعض العمليات الأمنية الدقيقة والنوعية ضد قوات الاحتلال في الأراضي اللبنانية، والتي تحمل رسائل أمنية وسياسية للداخل اللبناني ولحكومة الاحتلال بأنّ المقاومة غير معنية بكل مفاوضات وبنود اتفاق واشنطن. وهي تقدّر الظروف والحسابات وتنتظر نتائج مفاوضات سويسرا وانعكاساتها على لبنان، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي حيال الاعتداءات والخروقات لوقف إطلاق النار، بل ستفعّل عملياتها أكثر في الوقت المناسب، ولن تسمح للاحتلال باستغلال فترة وقف النار والمفاوضات الأميركية – الإسرائيلية لفرض قواعد اشتباك جديدة وتجويف مخرجات سويسرا والعودة إلى معادلة ما قبل الثاني من آذار.

وواصل رئيس الجمهورية جوزف عون حرف الحقائق وتغيير الوقائع لاحتواء الخطأ الكارثي الذي أدخل البلاد فيه، بقوله إنّ صيغة الإطار الموقعة في واشنطن تضمنت بنوداً تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين والأسرى وحتى جثامين اللبنانيين الموجودة في «إسرائيل»، لافتاً إلى أنها ليست اتفاقاً بل إطاراً! متناسياً، وفق أوساط سياسية لـ»البناء»، أنّ «إسرائيل» ربطت كل ذلك بنزع سلاح حزب الله بموافقته! ومذكرةً بما قالته السلطة عن اللقاءات التفاوضية الأولى في واشنطن في نيسان الماضي والبيان الأول الذي خرج عنها، بأنها مجرد لقاءات ولم تبدأ المفاوضات بعد! وشددت الأوساط على أنّ السلطة متورطة في مشروع أميركي – إسرائيلي، وهي قد جاءت لتنفيذ هذا المشروع وامتداداً له، وهي عالقة بين مأزقين: لا تستطيع رفض التوجيهات والإملاءات الأميركية، ولا هي قادرة على تنفيذ ما التزمت به على أرض الواقع في ظل التعقيدات الأمنية والميدانية والسياسية.

وادعى عون في حديثه مع نقابات يجري استدعاؤها إلى قصر بعبدا لإظهار حاضنة شعبية لخيار عون وسلطته في مفاوضات واشنطن ومخرجاتها، «أنّ لبنان لم يتنازل عن ثوابته قضائياً وسياسياً وميدانياً في صيغة الإطار كما يروّج البعض»، منوهاً بالدور الذي يلعبه رئيس مجلس النواب نبيه بري «الذي وضع خطين أحمرين أساسيين باعتبار أنّ الفتنة والمساس بالجيش ممنوعان، ونحن جميعنا متفقون على هذين الأمرين».

وفيما يتبع عون سياسة الهروب إلى الأمام والتغطية على أفعاله، دعا المعترضين على المفاوضات وصيغة الإطار إلى تقديم البديل أو عرض آرائهم ضمن المؤسسات، مجدداً تأكيد أنّ حق الاختلاف مقدس: «فلنتناقش بالسياسة ولكنّ الخلاف ممنوع، ولا يقربنّ أحدٌ إلى الشارع ولا يشوهنّ الحقيقة لإقناع بيئته بأنّ ما حصل استسلام وذلّ له». ونفى رئيس الجمهورية كل ما يُشاع عن وجود نية لإقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل أو قادة الأجهزة الأمنية باستثناء مدير عام الأمن العام، مشيداً بدورهم والجهود التي يقومون بها، ومؤكداً أنّ مثل هذه الشائعات هدفها ضرب الجيش والقوى الأمنية وليس تعزيز دورها وحضورها.

ونفت مصادر موثوقة لـ»البناء» طلب عون من قائد الجيش الاستقالة، فيما كشفت جهات دبلوماسية مطلعة لـ»البناء» عن ضغوط أميركية كبيرة تتعرّض لها قيادة الجيش لدفعها نحو تنفيذ بنود اتفاق واشنطن والتنسيق المباشر مع الجيش الإسرائيلي، متوقعة تصاعد الضغوط وفرض عقوبات على شخصيات عسكرية وأمنية في المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية.

من جهته، أشار رئيس الحكومة نواف سلام إلى أنّ «عبارة (اتفاق الإطار) لديّ مشكلة بها وهي مدعاة التباسات، ونحن لسنا بصدد اتفاقية، بل اسمها (إطار)، وهو إطار ثلاثي توجيهي للمفاوضات ويحدد مساراً، وهدف الإطار الوصول إلى اتفاق؛ وما ينجم عنه هو التزامات سياسية، بينما الاتفاق أو المعاهدة ينجم عنها التزامات قانونية». وأكد أنه لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة يمكن أن يفاوض خارج الثوابت والبيان الوزاري، ورئيس مجلس النواب نبيه بري حريص على أن نتعامل مع أي مسار مفاوضات بالحوار، وهذا فحوى الاتصال: «وقد اتصلت ببري وشكرته على تدخله لمنع الفتنة وانتقال الأمور إلى الشارع». وشدّد على أنّ التشويش على الجيش، كما قال الرئيس بري، هو فتنة ثانية، والسلطة السياسية تتخذ قرارات وعلى الجيش أن ينفذها. وأوضح أنه في غضون أيام سيتم الانسحاب ويشمل منطقة زوطر الغربية وزوطر الشرقية وعدداً من القرى الأخرى، والمنطقة الثانية وضعها مختلف فلا تواجد إسرائيلياً فيها بالدبابات، ولكن مسيطر عليها بالنار وهي تشمل الغندورية وفرون.

وردّت بلدية فرون في بيان على سلام محذرة «من خطورة التوسّع في استخدام مصطلح (السيطرة بالنار) في التوصيف، كما هو حال مساحات واسعة من الجنوب اللبناني والبقاع الغربي، لما قد يؤدي إليه ذلك من نتائج سياسية وإعلامية خطيرة عبر تكريس وقائع غير دقيقة أو قابلة للتأويل والاستثمار، وفتح شهية العدو، الأمر الذي ينعكس سلباً على حقوق السكان وعلى توصيف الوضع الحقيقيّ في تلك المناطق». واعتبرت أنّ هذا النوع من التوصيفات قد يفتح الباب أمام إساءات في قراءة الواقع الميداني ويؤدي إلى تعميمات غير منصفة تطال قرًى وبلدات بالكامل، مما يستوجب مقاربة أكثر دقة ومسؤولية في الخطاب الرسمي والإعلامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى