طرابلس تنزف من الإهمال.. ومساكنها تتحوّل قبوراً لقاطنيها
جاكلين بولس - ليبانون فايلز

يا أفقر المدن على حوض البحر الأبيض المتوسّط، يا طرابلس الشعب المسكين والمنسي، فبالرغم من قافلة رؤساء الحكومات التي قدّمتِ على مَرّ عقود، لم تَحْصِدي سوى البؤس والإهمال والنسيان. كنتِ فقط المطيّة للوصول إلى سدة السلطة وتُرِكتِ لمصيرك المظلم، تنهار مبانيك العتيقة المتصدّعة لألف سبب وسبب وتتحوّل قبوراً لقاطنيها.
المالك يشكو قلة المردود ويرفض الترميم، والمستأجر يرفض دفع قرش واحد ليوفر الأمان لصغاره وعائلته، رامياً السؤولية على صاحب الملك والدولة، والدولة على مرّ السنين تلعب دور الأعمى والأطرش الذي لا يرى ولا يسمع.
عقود مرّت والسلطات المتعاقبة كانت سبب النكبة التي لحقت بالشعب اللبناني، تقع الكارثة ثمّ يأتي التحرّك، وغالباً ما يكون قاصراً عن معالجة الأسباب. فقبل أن تستفيق طرابلس من كأس إنهيار مبنى في القبة منذ أسبوعين وسقوط الضحيتين إليسار المير ووالدها، جاء إنهيار مبنيين متلاصقين عصر الأحد ليودي بحياة أربع عشرة ضحية، ليعمّق جرح أفقر المدن…
السلطة تحصي عدد المباني الآيلة للسقوط، وعددها يتخطى الستمئة في عاصمة الشمال وحدها، إن لم نضف نحو مئة ألف وحدة سكنية تصدّعت بفعل إنفجار المرفأ والحرب الإسرائيلية الأخيرة، لكنها لا تتحرّك قبل وقوع الكارثة، وتتصرّف كأنها فوجئت بقضاء الله وقدره، متجاهلةً حقيقة أن الشعب قضاء الدولة وقدرُها بكل شرائحها، وأنّ الأهل الذين يحتضنون أبناءهم في ليالي البرد لتدفئتهم، بسبب عجزهم عن شراء المازوت وقارورة
الغاز، يأملون بأن يستفيقوا على أصواتهم تتسلل من بين شقوق الجدران، طلباً للفطور و”لِلَّملة” حول مائدة متواضعة تكفي لسدّ رمق الجوع، وليس للنعوش الصغيرة البيضاء تسلك الشوارع تحت زخّات الأرز والزهور وزغاريد النسوة، وبيانات الإستنكار التي تسقط كالمطر على رأس المنكوبين.
ما يحصل في طرابلس اليوم وغداً، وفي العديد من المناطق التي تعاني من المباني المتهالكة يطرح الكثير من الأسئلة، ليس على السلطة الحالية فقط، بل على كل السلطات المتعاقبة بغض النظر عن أسماء مسؤوليها، فأين كنتم مما جرى في السابق؟ وأين أنتِ يا دولة مما سيجري في طرابلس والضاحية الجنوبية وحي السلّم والبقاع والجنوب مستقبلاً، ومما يهدد أبناءها؟ أين أنت يا دولة وماذا تنتظرين لتوفير مساكن آمنة موقتة للمهددين بأرواحهم في كل بقعة على الأراضي اللبنانية، ريثما يتم ترميم المباني المتصدّعة؟ وماذا قدّم سيل رؤساء الحكومات من أبناء طرابلس لسكانها كي يُسقطوا عنها صفة الفقر على مرّ السنوات؟
أيتها السلطة تصرّفي بعجل قبل أن تتحوّل البيوت إلى قبور، فما نشاهده من مبانٍ تتراقص وتنهار على رؤوس قاطنيها لا يغتفر.
حددي المسؤوليات بسرعة واعملي على إنقاذ من تبقى في دائرة الخطر.




