الرئيسيةخاص دايلي ليبانون

حين تتحدَّث القيم بصوت المدافع – بقلم المهندس توفيق الصايغ

في لحظةٍ يبدو فيها التهديد العسكري عابرًا للخرائط، وحين يلمِّح مستشار في الكرملين إلى احتمال استهداف عواصم أوروبية كبرلين ولندن، يصبح من الصعب الفصل بين ما هو عسكري وما هو رمزي. فالقوَّة، في مثل هذه اللَّحظات، لا تتحرك وحدها؛ تسبقها سردية، وترافقها لغة، وتُشرعنها منظومة قيم تُقدَّم بوصفها دفاعًا عن معنى ما.

منذ نهاية الحرب الباردة، لم يختفِ الصِّراع الدُّوليّ بقدر ما غيَّر شكله. ما كان يُدار تحت عناوين أيديولوجية صارخة، بات يُخاض اليوم في حقل أقل ضجيجًا وأكثر التباسًا: الثقافة، والدين، والهوية. في هذا السياق، يلتقي كتاب «الأخلاق العالمية: روسيا في الحروب الثقافية العالمية» للكاتبان (كريستينا ستوكل وديميتري أوزلان) مع أطروحة صامويل هنتغتون حول صدام الحضارات عند نقطة أساسيَّة: العِلاقات الدُّوليَّة لم تعد صراع مصالح فحسب، بل صراع تصوُّرات عن الإنسان، والمجتمع، والنظام الأخلاقي الذي يُفترض أن يحكمهما. وهي مقاربة تجد جذورها النظرية في مدارس ما بعد السلوكية في علم العلاقات الدُّوليَّة التي أعادت الاعتبار للمعنى، والقيم، والتأويل في فهم السُّلوك الدُّوليّ.

روسيا بوصفها سؤالًا مفتوحًا

في تصور هنتغتون، تحتل روسيا موقعًا إشكاليًا فريدًا. إنها، كما يصفها، «الدولة المنقسمة الأهم في العالم» دولة تقف على تخوم حضارتين من دون أن تستقر نهائيًا في أيٍّ منهما. تاريخها الحديث، الممتد من الإمبراطورية إلى الشيوعية إلى ما بعدها، لم يحسم سؤال الانتماء: هل روسيا جزء من الغرب، أم وريثة حضارة سلافية أرثوذكسية ذات مسار خاص؟

هذا التردد ليس نظريًا فقط. هنتغتون يلاحظ أن داخل النخبة الروسية نفسها ميلًا مزدوجًا: نزعة نحو الغرب باعتباره نموذجًا للحداثة، في مقابل تيار محافظ يرى في تلك الحداثة تهديدًا للهويَّة الرُّوحيَّة والتاريخيَّة. من هذا المنظور، يبدو الصِّراع الرُّوسي الدَّاخليّ انعكاسًا لصراع أوسع بين الاندماج والتميّز.

 

من القلق الحضاري إلى المبادرة الأخلاقية

كتاب «الأخلاق العالمية» لا يقف عند حدود هذا التشخيص. فهو يذهب إلى أن روسيا، في العقدين الأخيرين، لم تعد تكتفي بالتساؤل عن موقعها الحضاري، بل بدأت تتصرف كما لو أنها حسمت الأمر. الدولة الروسية، بالتعاون الوثيق مع الكنيسة الأرثوذكسية، انتقلت من موقع الدفاع عن الهوية إلى موقع تصديرها.

في هذا التحوّل، لم تعد القيم التقليدية -الأسرة، الدِّين، النظام الأخلاقي المحافظ- شؤونًا داخلية، بل أدوات خطابية ودبلوماسية تُستخدم في المحافل الدولية، وتُقدَّم بوصفها بديلًا أخلاقيًا عن الليبرالية الغربية. روسيا، كما يصورها الكتاب، لم تعد طرفًا في صدام حضارات محتمل، بل فاعلًا يسعى إلى صياغة هذا الصدام نفسه، بنفسِه وإعادة تعريف خطوطه.

هنا تبرز مفارقة لافتة: الخطاب الروسي المحافظ لا يُوجَّه فقط إلى الدَّاخل أو إلى «الشرق»، بل يجد صدىً متزايدًا في أوساط اليمين المسيحي الغربي. ما يبدو، للوهلة الأولى، مواجهة حضارية، يتحول في العمق إلى شبكة تحالفات عابرة للحدود، تقوم على لغة أخلاقية مشتركة أكثر مما تقوم على الجغرافيا.

 

بين النظرية والممارسة

يتقاطع هنتغتون وكتاب «الأخلاق العالمية» في الإقرار بأن الهوية الروسية مختلفة عن الهوية الغربية، وأن الدين يلعب دورًا مركزيًا في هذا الاختلاف. كلاهما يعترف بوجود انقسام داخل روسيا بين من يرون المستقبل في التقارب مع الغرب، ومن يفضلون مسارًا حضاريًا مستقلًا.

لكن الفارق الجوهري يكمن في زاوية الرؤية. هنتغتون يقدِّم إطارًا تفسيريًا واسعًا، يصف الخلفيات الثقافية للصراع من دون أن يتتبع تفاصيل الفعل السياسي اليومي. أما الكاتبان (ستوكل وأوزلان)، فيذهبان إلى مستوى الممارسة: كيف تتحول الهوية إلى سياسة، وكيف يصبح الخطاب الأخلاقي أداة قوة ناعمة، وربما تمهيدًا لقوة صلبة. في طرحهم الهوية استراتيجية، فيما طرح هنتغتون، الهوية سياق.

 

خاتمة بلا يقين

حين تُستدعى القيم لتبرير القوة، وحين يُقدَّم الصراع بوصفه دفاعًا عن الأخلاق لا عن الحدود، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو مبدئي وما هو أداتي. روسيا، في هذا المشهد، لا تبدو مجرد دولة تخوض نزاعًا جيوسياسيًا، بل فاعلًا يسعى إلى إعادة تعريف اللغة التي يُفهم بها هذا النزاع.

ربما لم يكن السؤال، في النهاية، ما إذا كنا نعيش صدام حضارات بالمعنى الذي تخيّله هنتغتون، بل ما إذا كانت بعض الدول قد قررت أن تجعل من الصدام ذاته إطارًا لهويتها السياسية. وفي عالم كهذا، لا تكون المدافع وحدها ما يُقلق، بل المعاني التي تتحرك قبلها بصمت!

دمتم بخير..

المراجع:

* Stoeckl, K. and Uzlaner, D. (2022) THE MORALIST INTERNATIONAL, Russia in the Global Culture Wars.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى