جولات عيسى على مفاصل الدولة بين “المساعدة المشروطة” والوصاية الكاملة
محمد علوش - النشرة

جال السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى على مؤسسة كهرباء لبنان ومن بعدها على مرفأ بيروت، وربما تستمر جولاته على باقي القطاعات تباعاً، ومن وجهة النظر الأميركية، هذه الزيارات ليست تدخلاً، بل طرقاً “للمساعدة المشروطة”، التي تتطلب من لبنان القيام بخطوات وإجراءات، ولكن من جهة اخرى، هناك وجهة نظر مغايرة تقرأ الزيارات من باب أمني سياسي بحت يُدخل البلد تحت وصاية أميركية كاملة.
واشنطن ترى نفسها صاحبة حق في التدقيق والمتابعة والرصد لأنها المموّل المحتمل، أو الممسكة بمفتاح التمويل، والوسيط الدولي، والقاضي الذي يحكم بالعقوبات أو بالتخلص منها، وبالتالي هي تعتبر أن أي ثغرة في المرفأ أو المطار أو الكهرباء قد تتحول إلى نافذة لكسر الحصار، لذلك تتعامل مع هذه المرافق كمراكز قوة ونفوذ يخدم ما تُريده وما تراه.
المرفأ أمس، وقبله المطار حيث تُمارس إجراءات أميركية مشددة لناحية القرارات التي تُسير أعماله، هما شريانان مفتوحان على الاقتصاد، وعلى الأمن، وعلى السياسة، وعلى التوازنات الإقليمية. في العقل الأميركي، المرفأ والمطار نقطتا عبور محتملتان لكل ما لا يمكن ضبطه بالعقوبات، من مال وغير مال، لذلك يتحولان بالنظرة الأميركية إلى مواقع دائمة للمراقبة.
بحسب مصادر سياسية متابعة فإن الزيارات التي يجريها السفير الأميركي للمرافق العامة يتخللها تسجيل للملاحظات، وهذا ما يدل على أن واشنطن معنية بإيصال رسائل واضحة للحكومة بأن ملاحظاتها وكيفية التعامل معها هي طريق تسهيل الدعم والمساعدات أو عرقلتها، مشيرة إلى أن هذا المسار يلقي بضغطه على الحكومة ويفتح الباب أمام شروط جديدة للحصول على أي دعم مالي حقيقي.
ترى المصادر عبر “النشرة” أن هذه الزيارات تعكس تحوّلاً واضحاً في الدور الأميركي الذي بات أقرب إلى موقع المُدير، أو الوصي الكامل، وعلى سبيل المثال فإن زيارات الأميركيين إلى كهرباء لبنان ينطلق من قناعة أميركية بأن القطاع هو عنوان للهدر والفساد والفشل المزمن، وهو أيضاً بوابة أساسية لإعادة هندسة الدولة من الداخل. لكن خلف هذا الخطاب، تقف مقاربة سياسية ترى في الكهرباء أداة نفوذ لا تقل أهمية عن المرافئ، فمن يضبط إنتاج الطاقة وتوزيعها وتمويلها، يملك ورقة ضغط على المجتمع والدولة معاً.
كذلك تعتبر المصادر أن للمشهد الجديد أبعادا إقليمية إذ لا يمكن فصل هذه الجولات عن الصراع المفتوح في المنطقة، لأن اميركا مهتمة بالسيطرة على المرافئ والمطارات وشبكات الطاقة وخطوط الغاز والخطوط التجارية، لذلك يتم وضع كل ذلك تحت المجهر الأميركي.
تخشى المصادر أن تمر كل هذه التدخلات وكأنها لم تكن، لأن ذلك يعني اعترافاً رسمياً بتسليم مفاتيح لبنان للأميركيين، والاستثناءات ستتحول إلى أعراف، بحيث يصبح القرار الفعلي والكامل والحقيقي بيد الخارج ويتحول الداخل لمنفذ للسياسات، كالموظفين، حيث لن يكون مستغرباً في المستقبل عندما تقرر أميركا أو من تنتدبه طلب التفتيش أو التقييم والتوجيه في كل القطاعات.
انزعج كثيرون من كلام سابق للمبعوث الأميركي توماس باراك اعتبر فيه لبنان “دولة فاشلة”، فحصل الاستنكار من البعض، ولكن يبدو أن ما قاله باراك يشكل قناعة أميركية، حيث يتم التعاطي مع لبنان كدولة فاشلة بكل المقاييس.




