طهران مطمئنّة إلى وضعها الدفاعي | ترامب للإيرانيين: آتون لإنقاذكم… بالعدوان!
الأخبار

«بشّر» الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أبناء الشعب الإيراني، بأن العون المزعوم الذي وعد به مراراً، «في طريقه إليهم»، رافعاً بذلك سقف الحرب العدوانية الهجينة التي تشنّها بلاده على إيران، وفاتحاً الباب أمام أسئلة كثيرة، تبدأ من تقدير شكل الضربة الأميركية المُرتقبة ضدّ الجمهورية الإسلامية ومفاعيلها، ولا تنتهي بما ستُستتبع من ردود وتداعيات لا يَبعد أن تطاول المنطقة بأسرها. وعلى أيّ حال، فإن الهجوم المُعلَن عنه مواربةً، خرج من فضاء التكهّنات حول حتميّة وقوعه من عدمها ليدخل حيّز الوقت، الذي يبدو أن كل طرف سيسعى إلى استغلاله لمصلحته، إلى أن تحين ساعة الصفر. ولأن عامل المباغتة سيغيب عن أيّ جولة تصعيد قادمة، فإن إيران تُظهِر من الآن أعلى درجات الاستعداد والاستنفار، مؤكّدة جاهزيتها للردّ على ما تقول إنه بات يمثّل «تهديداً وجودياً» بالنسبة إليها.
وبين عشية وأخرى، قرّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إغلاق نافذة «الدبلوماسية»، داعياً الإيرانيين إلى الاحتجاج والسيطرة على مؤسسات الدولة، ومعلناً أنه تمّ إلغاء جميع الاجتماعات المُقرّرة مع المسؤولين الإيرانيين حتى يتوقّف «قتل المحتجّين». وجاء هذا بعدما عرض «البنتاغون» على ترامب مجموعة واسعة من الأدوات العسكرية والسرّية التي يمكن استخدامها ضدّ إيران، وتتجاوز بكثير الضربات الجوية التقليدية. وفي حين لا تزال القوّة الجوية ومنظومة الصواريخ البعيدة المدى تشكّلان عنصراً محوريّاً في أي تدخل عسكري محتمل، فإن مخطّطي وزارة الحرب الأميركية اقترحوا أيضاً عمليات سيبرانية وحملات نفسية تهدف إلى تعطيل هياكل القيادة الإيرانية، وشبكات الاتصال، ووسائل الإعلام التي تديرها الدولة، وذلك وفقاً لمسؤولين تحدّثوا إلى قناة «س بي إس» الإخبارية. وقال هؤلاء إن العمليات السيبرانية والنفسية يمكن أن تُنفّذ بالتزامن مع استخدام القوّة العسكرية التقليدية، في ما يُعرف لدى المخطّطين العسكريين بـ»العمليات المتكاملة». وعن التوقيت المتوقّع للهجوم، أفاد مسؤول أميركي، صحيفة «نيويورك تايمز»، بأن أمامه «أياماً على الأقلّ»، مشيراً إلى أن «إيران قد تردّ بقوة»، مضيفاً أن بعض المسؤولين في الإدارة يرون أن طهران تحاول فحسب تأخير الهجوم، بدلاً من السعي إلى الدبلوماسية.
وفي ظلّ العدوانية الأميركية المنفلتة وتداعي الدول الغربية إلى استدعاء السفراء الإيرانيين احتجاجاً على حملات القمع، أكّد وزير الدفاع الإيراني، أمير نصير زاده، أن بلاده ستردّ بشكل «مدمّر ومدوّ» على أيّ اعتداء عليها، محذّراً من أن «كل المصالح الأميركية في أيّ نقطة في العالم ستتعرّض للخطر إذا ارتكب ترامب أيّ حماقة، وهاجم المصالح الإيرانية». ونبّه إلى أن «أيّ دولة تساهم في تسهيل مثل هذا الاعتداء أو تضع قواعدها في خدمة المعتدين ستكون هدفاً مشروعاً للردّ الإيراني»، مطَمئناً إلى أن «وضعنا الدفاعي جيّد مقارنة مع الحرب الأخيرة، وذلك بفعل الإجراءات التي اتّخذناها». وفي الإطار نفسه، جزم القائد العام للجيش الإيراني، اللواء أمير حاتمي، أن «طهران اليوم أكثر قدرة ممّا كانت عليه قبل حرب الـ12 يوماً»، عادّاً التهديدات الأميركية والإسرائيلية ضدّ بلاده «وجودية وحقيقية»، ومؤكداً أن طهران تأخذها على محمل الجدّ.
وفي ظلّ تسارع مسار التصعيد، انقسمت القراءات التحليلية حول تداعيات دعوات واشنطن المحتجّين إلى السيطرة على مؤسسات الدولة، بين مَن اعتبرها «خطوة ضرورية لتنظيم الثورة»، وبين مَن حذّر من كونها ستتسبّب بـ»فوضى أوسع». وفي حين أكّد كبير الباحثين في «المجلس الأميركي للسياسة الخارجية»، جيمس روبنز، أن ترامب يتّجه إلى الوفاء بوعده بالتدخُّل، فهو رأى أن على المحتجّين الانتقال من «رفع الصوت» إلى «تنظيم الصفوف» والسيطرة على المرافق الحكومية، بدءاً من البلدات الصغيرة وصولاً إلى العاصمة، لفرض واقع سياسي جديد. لكنّ أستاذة العلاقات الدولية في جامعة «كامبريدج»، روكسان فارمان فارميان، حذّرت من خطورة هذا التوجّه، ووصفت دعوات السيطرة على مؤسسات الدولة بأنها «وصفة لفوضى أوسع»، مؤكّدة أن معظم الإيرانيين يخشون انعدام الاستقرار ويرفضون التدخّل الخارجي. واستشهدت فارميان بأحداث السادس من كانون الثاني 2021 في واشنطن، وذلك كدليل على أن اقتحام المؤسسات ليس حلّاً سديداً، مشيرة إلى أن الإيرانيين لا يريدون رؤية بلادهم تتحوّل إلى ساحة صراع شبيهة بسوريا أو أفغانستان.
وفي افتتاحيتها، كتبت صحيفة «واشنطن بوست»، بدورها، أن الحكومة الأميركية لا تفكّر في تغيير النظام الإيراني على غرار ما حدث في العراق، وأنها تدرس كيفية الوفاء بوعد الرئيس بالقدوم إلى «إنقاذ» المتظاهرين. وتنقسم إدارة ترامب حول كيفية المضيّ قدماً في هذا الاتجاه؛ إذ يرى نائب الرئيس، جيه دي فانس، ضرورة منْح المحادثات فرصة قبل أن يُقدِم ترامب على شنّ ضربات جوية، فيما تعتبر جهات أخرى ذلك العرض محاولةً يائسة لكسب الوقت، خصوصاً أن إيران رفضت أصلاً الدخول في مفاوضات مع الأميركيين بعد «حرب الأيام الـ12» يوماً، بحجة أن واشنطن تطرح «مطالب غير معقولة». أمّا ترامب نفسه، فقد لمّح إلى أنه قد يفعل الأمرَين معاً: اضرب أولاً، وتحدّث لاحقاً.
ويبقى المجهول الأكبر، وفق الصحيفة، هو ما الذي يريد الرئيس الأميركي تحقيقه في نهاية المطاف؛ فهذه الأزمة قد تنتهي إلى إحدى نتيجتَين: «إمّا أن ينهار النظام، أو أن يتمسّك بالبقاء، وقد يعتقد ترامب أنه، مع قدر كافٍ من الضغط، يستطيع التوصّل إلى اتفاق نووي مستدام وتجنّب فوضى جديدة قد يخلقها انهيار النظام، لكنّ إغراء إعادة ضبط الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط وما بعده – حيث ستكون روسيا والصين الأكثر تضرراً – يظلّ أكثر جاذبية».




