صورة من “زواريب” المعرفة – بقلم: طارق سيف الدين

“البناء” مصطلحٌ مُنحوتٌ بأعظمِ إزميلٍ فكريٍّ في هذا الوجود.
والبنّاؤون صفةٌ وفعلٌ لأعظمِ مَن عدَّتْهم الحياةُ ووهبتْهم هذا العطاءَ العظيمَ بأن يكونوه.
البنّاؤون أيضًا هم أكثرُ السالكين طريقَ المعرفة، والتي هي واحدةٌ من تجلّيات العقلِ العُليا، إن لم تكن أعلى تجلّياته على الإطلاق.
وفي فعلهم تجتمع كلّ العلوم وكلّ الفنون، ولذلك لم يقتصر بناؤهم على العمرانِ المادّي، بل شمل كلَّ خصائص الوجود وحياته، حتى غدا فعلُ البناء خطَّ فكرٍ وطريقةَ تفكيرٍ تلزمان كلَّ فردٍ يريد الانتقالَ من طور البشريّ إلى طور الإنسان أن يهتديَ بهديهما ويتمرسهما سلوكًا، وبالتالي تلزمان كلَّ مجتمعٍ كمنتْ فيه عواملُ نهضته، حتى إن بعثها الوعيُ بناءً انتقل من طور الخمول والانحطاط إلى طور الحركة والتقدّم…
والبنّاؤون في بنائهم أيًّا يكن يحتاجون عُدَّةَ عمل: أدواتٍ…
لِنُبَسِّطْ ونتصوّرْ معًا مشهديّةً لأدوات ذلك العمل العظيم، مُنتبهين ومؤكّدين أن الأدوات بحدِّ ذاتها لعظيمة.
تشييدُ البناء، أيًّا كان مجاله، يتمّ باختيار مكانِ البناء ــ الأرض ــ أو البيئة المستهدف تشييد البناء فيها.
ليست كلُّ أرضٍ وكلُّ بيئةٍ صالحةً للبناء، وإنّ كلَّ أرضٍ وكلَّ بيئةٍ لها مواصفاتٌ تستوجب وضعَ خطّةِ بناءٍ تُطابق خصوصيّة الأرض والبيئة، وهذا علمٌ بحدِّ ذاته. ومن أهمّ الأدوات دراسةُ الأرض أو البيئة…
اِدرسوا وأفحصوا أرضَ بنائكم وبيئةَ استهدافكم جيّدًا، فذلك شرطٌ أساسٌ لتُقيموا بناءكم في المكان الصحيح.
نتيجةً للدراسة تُوضَع الخريطة، ومنها أصنافٌ وتخصّصاتٌ، وهي علمٌ كاملٌ يُصوّر الطريقة التي تُبسط التصوّرَ العام للبناء، وهي رسمٌ مُسبقٌ للنتيجة مدروسٌ بأعلى معايير العلوم، ومُوضوعٌ فيها كلُّ خطوةٍ بالتفصيل مهما كانت صغيرة.
فلا تقوموا بأيِّ عملٍ دون أن تضعوه في خريطةِ تصوّركم: خُطّةً للخطوات وتوقُّعًا لنتيجتها.
المِتر: وهو وحدةُ قياسٍ للمسافة أو المساحة، وقياسٌ ثابتٌ ترتكز عليه الأعمالُ التفصيلية، ولا يمكن العملُ دونه، بالإضافة إلى شقيقته الأكبر والأكثر طولًا: المازورة…
نحن بحاجةٍ دائمًا لقياس خطواتنا ومساحة بنائنا لندرك صحّة الواقع مع تصوّراتنا.
الزِّيبق: ميزانُ الجلوس والميول، وله بصمته في صحّة الأعمال…
الزِّيبقُ إن غشّك ينحرف بناؤك، فاحذر من الغش، وركّز أن تتثبّت من أن لا يكون ميولٌ في بنائك.
البلبل: وهو ميزانُ قياسٍ أيضًا للجلوس بالارتفاع…
اضبطْ أن يكون ارتفاعُ بنائك أو علوّه مرتبطًا بالأساس ونسقيًّا، لأنّ الارتفاع والعلوّ من دون التناسق مع الأساس يعني أيضًا انحرافًا في بنائك.
ارتبطوا دائمًا، ومهما ارتفعتم، بأساسكم، ولا تقبلوا في علوّكم ميولًا عن أصلكم.
الخَيط: وهو رابطُ التأكيس للجلوس بين المساحات بناءً للزوايا…
يعني أنّ كلَّ زوايا بنائكم يجب أن تكون مترابطة. والترابط يعني توزيع الأوزان والأثقال في البناء على كلّ أساساته بشكلٍ متساوٍ.
كذلك الاهتمامات والهموم والمسائل الفكرية هي مترابطة، تَهُون ساعة نوسّع ونوزّع قراءتنا على روابطها.
القَدّة: مِقياسٌ لجلوس المسافة التي لا يطالها الزِّيبق.
فحيث يعجز زِيبقكم عن التثبّت استدعوا القَدّة، لأنّها تمتلك رؤيةً أكبر وتغطّي مساحةً أشمل.
الشَّقلة: وتُؤخذ بالنبريش، واليوم بآلةٍ ليزرية، وهي ضرورةٌ لجلوس كلّ البناء من كافة زواياه بالنسبة لميول المحيط…
فلا ترضَوا إلّا أن يكون بناؤُكم جالسًا مهما تكاثرت حوله الميول.
المطرقة أو “القدوم”: حيث القوةُ في التثبيت والتركيز متى كان لا بدَّ منها.
اجعلوها في حسابكم كما الأطباء يجعلون الكيَّ آخرَ العلاج.
الأرض، الخريطة، المِتر، المازورة، الزِّيبق، البلبل، الخيط، القَدّة، الشَّقلة، ووو… أدواتُ البناء المادي في العمران لبناءٍ ما، وهي الأدوات اللازمة بالمعنى التجريدي والنسق الفكري لصحة العمل ونجاحه كما هو مرسومٌ ومطلوب.
وكذا كلُّ البناء في شتّى المجالات يلزمه أدواتٌ تضبط القياس والتوازن وصحّة الاتجاهات وسلامة الأساس، وتضبط الأداء لصحة الإنتاج وصوابية الغاية، حتى إن شُيّد البناء شُيّد بأحسن تكوين.
تصوّرٌ آخر نحتاجه قبل الولوج باستهدافنا إلى الغاية من تصويرنا ذلك، وهو: “البناء الإداري”.
الإدارة فنٌّ فيها الكثير من المقاييس والضوابط: “القوانينُ والتراتبِيّةُ أو التسلسلُ الإداري”. ولا شكّ أن من أروع أدوات الإدارة “فصلُ الصلاحيات” و”تحديدُ المسؤوليات” و”الرقابةُ والتفتيش”.
إلّا أنّ الإدارة لا تنحصر أدواتها بتلك الضوابط، ففيها الكثير من الاعتماد على الابتكار والخلق في طرق التفكير وتنظيم الجهود وتوجيه البرامج، ولوجدان العاملين وأخلاقهم الأثرُ الكبير في تخطي “البيروقراطية”، حيث الأداء الإداري لا يكون سلطةَ تحكّم، بل بناءً يُثمر نتائج، ومجهودًا يثبت الاتجاه ويركّز الأسس ويرفع البناء باستقامة النسق بجهود بنّائين إداريين أتقنوا استخدام أدواتهم وتفنّنوا بعمق خبرة التجارب، وكلّ ذلك بعد أن تمرّسوا الفهمَ العقديَّ لروح النظرة الجديدة وسمَوْا في تفاني المسؤولية التزامًا أخلاقيًّا.
كلُّ ما سبق هو قراءةٌ مفتاحيّة لفهم فقرتين واردتين في مرسوم إنشاء الندوة الثقافية:
“أُنشئت الندوةُ الثقافية في الحركة القومية الاجتماعية في خريف سنة 1937 للأبحاث الثقافية ولِنقل الفكر من السطحيات ومسائل الإدراك العادي إلى الأساسيات وقضايا العقل العلمي والفلسفي”.
الندوةُ مؤسسةٌ إدارية، والعاملون فيها إداريون، صلاحيتُهم ومسؤوليتُهم ووظيفتُهم: “نقلُ الفكر من السطحيات ومسائل الإدراك العادي إلى الأساسيات وقضايا العقل العلمي والفلسفي”.
أيُّ بناءٍ عظيمٍ هذا الذي يضع سعادةُ مسؤوليةَ بنائه في صلاحية ووظيفة البنّائين السوريين القوميين الاجتماعيين؟؟؟
مادةٌ وحيدة
غايةُ الندوة الثقافية: التعمّقُ في درس التعاليم القومية الاجتماعية المتضمّنة في المبادئ والشروح التعليمية، والتمكّنُ منها، وإيضاحُ المبادئ والقيم والقواعد القومية الاجتماعية، والقضيّةُ الناشئة عنها، والنظرةُ إلى الحياة والكون والفنّ الحاصلة منها، والمسائلُ والقضايا التي تعالجها وموقفُ الحركة القومية الاجتماعية منها، وبعثُ التراث السوري الفكري، والإنتاجُ الدراسي والأدبي والفنّي على هذه الخطط، إحياءً للقيم الجديدة وتحقيقًا للثقافة السورية القومية الاجتماعية المشتملة عليها.
هنا خصوصيّةُ الأدوات والمقاييس، بالإضافة لموهبة البنّائين المتمكّنين من التعمّق في إتقان استخدامها، ومبدأ: “الأخلاقُ في صميم كلِّ عملٍ يُكتب له النجاح”.
أيا تُرى، ألذلكَ أعلن المعلمُ أنَّ إنشاءه المؤسساتِ كان أعظمَ عملٍ بعد وضعه العقيدة؟؟؟
تلك الخصوصية التي تميّز المؤسسات، وتكسبها العظمة، وتمكّن الندوةَ وتميّزها أيضًا عن سواها من المؤسسات، لتبعث التراث السوري الفكري، والإنتاج الدراسي والأدبي والفنّي، وإحياء القيم الجديدة في الأجيال الجديدة.
كذا نشيد في بيئتنا السورية بناءنا الجديد، هاتوا خرائطكم، ووضبوا أدواتكم، وإلى البناء هيّا أيها البنّاؤون السوريون القوميون الاجتماعيون.




