اقتصادالرئيسية

ما بعد (بعد) التعميم 151؟

نقترب يوماً بعد يوم إلى نهاية تعميم 151، فما وراء هذا القرار؟ وماذا بعد هذا التعميم للبنانيين والمودعين والإقتصاد؟

نتذكّر بألم وأسف، أنه حين بدأ تنفيذ تعميم 151 في العام 2020، كان الهدف منه تأمين بعض السيولة للمودعين بالليرة اللبنانية، لكن في الوقت عينه، صرف وإهدار مدّخراتهم. فكان هناك دائماً فجوة كبيرة، بين سعر صرف هذا التعميم المظلم والسوق السوداء. وهنا بدأت عملية «هيركات» المبطّن، حيث بدأت الخسائر بنحو 50% ومن ثم إنسحبت إلى 60% و70%، وانتهت إلى خسارة بـ 85% و90%، من الخسائر المباشرة من أموال المودعين.

نذكّر أن سعر صرف التعميم 151 بدأ بـ 3900 ليرة، ومن ثم بـ 5 آلاف، إلى 8 آلاف، و12 ألفاً، حتى ثُبّت على 15 ألفاً في شباط 2023. بينما كانت السوق السوداء تحلّق إلى الـ 100 ألف، وحتى وصلت إلى الـ 140 ألفاً. فتجاوزت الخسائر جرّاء السحوبات الـ 85%، إضافة إلى خسائر بنحو 20% للإستحصال على أوراق نقدية.

من جهة أخرى، لدينا حتى اليوم سِعرا صرف رسميّان: سعر صرف تعميم 151 والذي هو الهيركات المبطّن، مع خسائر فادحة لما تبقّى من الودائع. وسعر الصرف الرسمي الثاني، وهو سعر صيرفة أو قريباً بلومبورغ، المُستعمل للمدفوعات اليومية، والضرائب والرسوم والسلع المعيشية. إضافة إلى سعر صرف السوق السوداء والشيكات بالليرة وغيرها من قائمة أسعار الصرف.

فعند انتهاء هذا التعميم ودفنه، ما هو مصير ما تبقّى من الودائع بالدولار الأميركي اللبناني (اللولار)؟ إنّ المشروع المقترح المبطّن في موازنة 2024 هو تحويل كل الودائع بالدولار الاميركي اللبناني (اللولار)، إلى الليرة اللبنانية بضربة واحدة، بحسب سعر صيرفة الـ 79 الفاً، أو سعر بلومبورغ الجديد. في هذ العملية، ستكون نهاية الدولارات القديمة، وتحويلها مصرفياً إلى الليرة اللبنانية.

على المدى القصير، يُمكن أن يشعر اللبنانيون بأنه حتى لو تحوّلت ودائعهم إلى الليرة، فسيُحافظون على قيمتها، لأنّ سعر الصرف المُستعمل سيكون قريباً من سعر صرف السوق السوداء. لكن ما لا يعلمونه أنّ هذه الودائع بالليرة سيكون لها قيود صارمة للسحوبات وللاستحصال على الأوراق النقدية. وهنا ستُبصر النور سوق سوداء جديدة، لتحويل هذه الودائع المصرفية إلى أوراق نقدية، بخسائر جديدة.

أما القيود على السحوبات المصرفية، فهناك ضبابية على الأرقام التي ستكون معتمدة، لكن ننتظر ألاّ تتجاوز الـ 24 مليون ليرة في الشهر الواحد كما هي اليوم، للإحتفاظ بالكتلة النقدية، وتَجنُّب التضخّم المفرط.

فهناك أفخاخ عدة، وهدايا ملغومة في هذه القرارات، والوعود الوهمية. فعلى المدى القصير، تُعاد الودائع إلى قيمتها، لكن بالليرة اللبنانية، إنما فقط على الشاشات والسجلاّت، بعيداً عن الأيادي والجيوب.

وعلى المدى المتوسط والبعيد، ستُستكمل أكبر عملية نهب في تاريخ العالم، لأنّ سعر الصرف لن يكون مثبَّتاً، لكنه عائم بحسب منصّة بلومبورغ الدولية، ويُمكن أن تصل إلى قمم جديدة، لتُعاد الخسائر مرة أخرى إلى النسَب القديمة عينها.

في المحصّلة، إن الأهداف المبطّنة في نهاية تعميم 151، وما بعد (بعد) هذا التعميم، هي مستقبل مظلم للمودعين، حيث ستتحوّل ودائعهم إلى الليرة اللبنانية، من دون أيّ ضوابط لسعر الصرف، وقيود صارمة لسحوباتهم النقدية، لتأمين لقمة العيش الكريم في هذه المزرعة المتوحشة. فالمسؤولون المباشرون عن أكبر أزمة اقتصادية واجتماعية ومالية ونقدية في تاريخ العالم لن يكونوا جزءاً من الحل، إنما سيُتابعون عملية النهب بطرق مختلفة، ويدفع ثمنها الشعب المظلوم والمذلول والمنكوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى