اخبار محليةالرئيسية

حزب الله يكسر الحصار.. ويحرج سلطة الوصاية

الأخبار

لم يكن هدف خصوم حزب الله هزيمته عسكرياً وسياسياً فحسب، بل تحميل مجتمع بأكمله كلفة العدوان، وتحويل الدمار الذي أصاب بيئته إلى حصار مالي واجتماعي يستكمل ما عجزت الحرب عن تحقيقه. فوفق هذا الرهان، من شأن تجفيف قدرة الحزب على مساعدة ناسه، وتركهم تحت وطأة الدمار والنزوح، أن يحوّل معاناتهم إلى نقمة عليه.
وكما في كل مرة، خابت رهانات خصوم حزب الله وسقطت سرديّتهم أمام الوقائع. فبعد أشهر من الحملات السياسية والإعلامية، في إطار حملة خارجية ممولة وموجّهة لنشر سردية إفلاس الحزب، أعلن حزب الله خطة للإيواء واضعاً خصومه أمام واقع لم يحسبوا حسابه، وكاشفاً في الوقت نفسه عجز الدولة عن الاستجابة لحجم الكارثة. وبدلاً من الاعتراف بسقوط الوهم، انتقل الخصوم داخل السلطة وخارجها، إلى التشكيك في

مصادر الأموال والمطالبة بملاحقتها!
حفلة الجنون بدأت مع تقرير لوكالة «رويترز»، في السابع من تشرين الأول الجاري، عن تلقّي حزب الله في أيلول الماضي نحو 200 مليون دولار من إيران لمساعدة النازحين، ما استدعى بياناً من وزارة الخارجية الأميركية شكّك بوجود أموال، قبل أن يعلن رئيس المجلس التنفيذي في الحزب، الشيخ علي دعموش، أمس، إطلاق مشروع «وعد والتزام»، في خطوة وضعت كل خصوم المقاومة في إحراج شديد. فبدلاً من أن يؤدي الحصار المالي، كما راهنوا، إلى تعطيل قدرة الحزب على مساعدة بيئته، برزت مبادرة عملية تناقض رواية العجز التي روّجوا إليها. علماً أن الحزب كان قد بدأ، قبل نحو عام، تنفيذ خطة للترميم الإنشائي تتيح عودة نحو سبعة آلاف عائلة إلى الضاحية الجنوبية.

ولم تقتصر الحملة على الخصوم التقليديين للحزب. فقد وجد «شيعة السفارات» في القضية فرصة لتجديد المطالبة بتمويل خارجي، ضمن برنامج مستمر من «التسول السياسي»، بذريعة أنّ وصول الأموال إلى حزب الله وحرمانهم منها، سيعزّز التفاف بيئته حوله. وبدلاً من أن يكون حجم الدمار وحاجات العائلات النازحة معيارَي التحرك، جرى نقل النقاش إلى ساحة التنافس على النفوذ داخل البيئة نفسها، وكأن الأولوية ليست تأمين المأوى للمتضررين، بل منع الحزب من تعزيز علاقته بجمهوره.

في المقابل، لم تعد السلطة قادرة على الاحتماء بشحّ الأموال وحده لتبرير تقاعسها. فقد أُقرّت، قبل نحو عام، اعتمادات ضمن موازنة عام 2026، ونُقل، وفق المعطيات المعلنة، نحو 90 مليون دولار من الاحتياطي، منها 67 مليوناً لمجلس الجنوب و24 مليوناً للهيئة العليا للإغاثة. ومع أن هذه المبالغ تبقى محدودة قياساً إلى حجم الدمار واحتياجات إعادة الإعمار، انتظرت الدولة وصول مساعدات خارجية لم تأتِ بالقدر المأمول. لكن السؤال لا يتوقف عند نقص التمويل أو أسباب عدم تأمين موارد كافية، بل يمتد إلى مصير التعهّدات الخارجية، وهل أسهمت الخيارات السياسية والشروط الخارجية في تعطيل الإعمار؟

في هذا السياق، تناول اجتماع رئيس الحكومة نواف سلام، أمس، مع وفد من كتلتي «التنمية والتحرير» و«الوفاء للمقاومة»، ملف إعادة الإعمار. وأبدى سلام اهتماماً بملف الترميم الإنشائي، متطرقاً إلى مبالغ مرصودة من الاتحاد الأوروبي بقيمة 250 مليون دولار، إضافة إلى 70 مليون دولار أُقرّت في مؤتمر باريس، ومساعدات تبرّع بها العراق خلال القمة العربية التي عُقدت في بغداد.

رئيس الحكومة يتعهد بترميم إنشائي يعيد آلاف العائلات إلى بيوتها و«شيعة السفارات» يصرخون طلباً للعون المالي

ونقل النواب مطالب تتصل بالجنوب وبيروت والبقاع، إلى جانب ملفات مزمنة، من بينها تأمين المياه للضاحية الجنوبية لبيروت. والتزم سلام المضيّ في مشروع الترميم الإنشائي، ومشروع جرّ المياه من الأولي إلى بيروت والضاحية، والعمل على معالجة أزمة النفايات. إلا أن مصدراً مشاركاً قال ان «العبرة في التنفيذ الفعلي، وتوضيح مصير التمويل ومواعيد صرفه، لا في إيجابية الاجتماعات وحدها». وكان لافتاً تجنب سلام والنواب أي نقاش سياسي، حتى إن رئيس الحكومة لم يسأل عن كيفية وصول الأموال ولا عن شاحنة ضهر البيدر.

وعد والتزام
وأعلن دعموش، في مؤتمر صحافي أمس، إطلاق برنامج «وعد والتزام»، مؤكداً أن الحزب سيعود إلى «صرف المستحقات في إطار تحمّل مسؤوليته الشرعية والأخلاقية والوطنية تجاه شعبنا الصابر والمضحّي». وشدّد على أن البرنامج لا يعفي الدولة من مسؤولياتها، و«ليس بديلاً عن واجب الدولة في إعادة الإعمار وإيواء النازحين، والذي يُعدّ ملفاً إنسانياً ووطنياً يجب إخراجه من الحسابات السياسية».
ويستهدف البرنامج، في مرحلته الأولى، إيواء النازحين من الجنوب، وتعويض أصحاب المنازل التي دُمّرت أو تضرّرت بشدة جراء عدوانَي 2024 و2026، وباتت غير صالحة للسكن. ويقوم على تقديم مخصصات مالية تغطّي كلفة استئجار منزل وشراء الأثاث لمدة سنة كاملة.

وحدّد حزب الله سقف المساعدات بـ14 ألف دولار للوحدات السكنية الواقعة ضمن بيروت الإدارية والضاحية الجنوبية، موزّعة بين 8 آلاف دولار بدل أثاث و6 آلاف دولار بدل إيجار. أما في المناطق الواقعة خارج بيروت، فيبلغ السقف 12 ألف دولار، منها 8 آلاف دولار بدل أثاث و4 آلاف دولار بدل إيجار.
وأوضح دعموش أن المستحقات ستُسدّد على أربع دفعات فصلية، بواقع 3500 دولار كل ثلاثة أشهر للمتضررين في بيروت الإدارية والضاحية الجنوبية، و3 آلاف دولار للمتضررين في المناطق الأخرى.
ويشمل البرنامج أصحاب الوحدات السكنية المهدّمة في الأبنية التي انهارت كلياً، وتلك الواقعة في مبانٍ تقرّر هدمها كلياً أو جزئياً، استناداً إلى نتائج الكشف الفني المتخصص. كما يشمل النازحين قسراً من المناطق المحتلّة والمحاذية لها، ممن لا يزال الاحتلال يمنعهم من العودة، أو تحول المخاطر الأمنية دون ذلك، سواء تضرّرت منازلهم أم لم تتضرّر. ويستفيد منه أيضاً أصحاب الوحدات السكنية التي لحقت بها أضرار إنشائية أو جسيمة جعلتها غير صالحة للسكن.

ويشترط للاستفادة من البرنامج، في جميع الحالات، أن يكون المنزل المتضرّر أو المهدّم مسكناً دائماً لصاحبه، لا منزلاً صيفياً أو مسكناً يستخدمه المغتربون خلال زياراتهم إلى لبنان، وألّا يكون المتضرّر مالكاً منزلاً آخر.
أما في ما يتعلّق بالضوابط التي تحكم صرف المستحقات، فأوضح دعموش أنها «تخضع بالدرجة الأولى للإمكانات المتوافرة، وللقدرة على تغطية أوسع شريحة ممكنة، وإلا فالجميع يستحق»، مشيراً إلى أن آليات الصرف ستعتمد ما طُبّق بعد حرب عام 2024، مع بعض الفروقات.

وكشف أن لجان الحزب أعدّت لوائح تفصيلية تتضمّن ضوابط تراعي اختلاف الحالات، بما فيها أوضاع المستأجرين، ومن يملك مأوى ثانياً، والحالات التي تستحق بدل الأثاث فقط. أما الذين سبق أن استفادوا من برنامج التعويضات، فيقتصر الدعم المخصّص لهم على بدل الإيجار، من دون منحهم بدل الأثاث مرة ثانية. وأوضح دعموش أن عمليات المسح لا تزال مستمرة، بما يتيح تكوين صورة أوضح عن حجم الأضرار والمبالغ المطلوبة. وتُجرى هذه العمليات وفق استمارة موحّدة أعدّتها شركة «معمار»، على أن تُصدر لاحقاً جداول بأسماء المستحقين، تُحال إلى المناطق المعنية لصرف المستحقات، مع تحديد مراكز مخصّصة لهذه الغاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى