اخبار محليةالرئيسية

بري يفتح ملفّ الانتخابات مبكراً… هل بدأت معركة تعديل قواعد اللعبة؟

كلير شكر - المدن

من خارج السياق السياسيّ الذي يضع المنطقة برمّتها على فوهة بركان لا يعرف أحد متى ينفجر، قرّر رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي فتح بازار قانون الانتخابات النيابيّة قبل أكثر من 14 شهراً على موعد الاستحقاق المؤجّل بفعل التمديد عامين للمجلس النيابيّ (تنتهي ولايته في أيّار 2028). وذلك بحجّة أنّ المماطلة في إثارة هذا الملفّ تطيح احتمالات تعديل القانون الناظم لولادة البرلمان اللبنانيّ، الذي أثبت برأي معظم الكتل النيابيّة أنّه قانون مشوَّه بمقتضياته التقنيّة ومشوِّه للنتائج التي تفرزها صناديق الاقتراع. وصار لا بدّ من “الاقتصاص” منه ولكن كيف؟

تستأنف اللجنة النيابيّة الفرعيّة المكلّفة درس ومناقشة اقتراحات القوانين الانتخابيّة اجتماعاتها “بشكل جدّيّ” اليوم الإثنين، بحسب ما أعلنه نائب رئيس مجلس النوّاب إلياس بو صعب، رئيس اللجنة، عقب جلسة للّجان النيابيّة المشتركة عُقدت يوم الثلاثاء الماضي. ويأتي هذا الاستئناف بعد توقّف طويل امتدّ لنحو عام كامل، إذ تعود آخر إشارة موثّقة إلى اجتماع فعليّ للّجنة إلى أواخر أيلول/أوائل تشرين الأوّل 2025، حين طلب بو صعب تعليق الاجتماعات لمدّة أسبوعين فقط، قبل أن يتحوّل هذا التعليق المؤقّت إلى توقّف ممتدّ لم تحدّد له نهاية واضحة.

ثغرات تستوجب التّعديل

بحسب بو صعب، فإنّ هذا التوقّف لم يكن بلا ثمن، إذ أقرّ صراحة بأنّ “توقّف عمل اللجنة الفرعيّة المكلّفة بحث قوانين الانتخابات النيابيّة” كان السبب المباشر وراء تأجيل الانتخابات النيابيّة التي كانت مقرّرة أصلاً في أيّار 2026، بعدما صوّت 76 نائباً من أصل 128 لصالح تمديد ولاية المجلس الحاليّ بذريعة الظروف الأمنيّة. واعتبر أنّ القانون النافذ حاليّاً “يتضمّن ثغرات تستوجب التعديل”، في إشارة إلى الإشكاليّات المتعلّقة تحديداً بآليّة اقتراع المغتربين والبطاقة الممغنطة، وهي الملفّات الخلافيّة التي أدّت أصلاً إلى تجميد عمل اللجنة طوال هذه المدّة.

أوضح بوصعب أنّ طاولة اللجنة تضمّ حاليّاً عدّة اقتراحات قيد البحث في آن واحد، منها ما يتعلّق بإنشاء مجلس الشيوخ، ومنها ما يهدف إلى تعديل القانون الانتخابيّ الحاليّ، إضافة إلى مقترحات لقوانين انتخابيّة جديدة بالكامل. وشدّد على أنّ هذا الاستئناف يأتي تنفيذاً لتعهّد سبق أن قطعته الحكومة، وورد أيضاً في خطاب القسم، ما يضع اللجنة أمام اختبار جدّيّ لترجمة هذا الوعد إلى نتائج ملموسة بعد عام كامل من الجمود.

لكنّ إحياء عمل اللجنة الفرعيّة لم يأتِ من فراغ، بل جاء في سياق سياسيّ بدأ يضع قانون الانتخابات مجدّداً على مشرحة النقاش، ولا سيما أنّ النائب عليّ حسن خليل كان قد مهّد لهذا النقاش في جلسة مناقشة الحكومة في 15 أيلول، حين قال: “قد يبدو الحديث الآن عن الانتخابات مبكراً ومستغرَباً، ولكنّ التجربة علّمتنا أنّ ما هو مبكر اليوم قد يصبح غداً متأخّراً، وعلينا البدء من الآن البحث في قانون الانتخابات والبطاقة الممغنطة والإصلاحات المطلوبة”.

افتعال مشكلة

لا تقنع هذه الحجّة الكثيرين، وثمّة من يلمّح إلى سعي الثنائيّ الشيعيّ إلى افتعال مشكلة مع القوى السياسيّة الأخرى لتعويض الضغط السياسيّ الذي يواجه هذا الفريق بفعل نتائج الحرب المدمّرة التي تقودها إسرائيل والمفتوحة على مزيد من التطوّرات الدراماتيكيّة، والتي قد تعكسها صناديق الاقتراع إذا ما فُرضت الانتخابات في موعدها المؤجّل… وإذا لم تصِب رهانات “الثنائيّ” على إيران في قلب الطاولة وإعادة تعديل موازين القوى لمصلحتهم. حتّى اللحظة لا يزال “الحزب” مقتنعاً أنّ طهران قادرة على استعادة المبادرة من خلال اتّفاق “موعود” مع واشنطن يسمح لحلفائها بالتقاط أنفاسهم وإعادة ترميم أوضاعهم.

هذا يعني أنّ إجراء الانتخابات النيابيّة في أيّار 2028 لم يعد احتمالاً مستحيلاً إذا ما استمرّ “الحزب” في مسار انحداريّ، ما قد يفتح شهيّة الدول المعنيّة بالملفّ اللبنانيّ لإخضاعه لاختبار صناديق الاقتراع من باب إعادة رسم التوازنات وتحجيم “الحزب” داخل البرلمان.

من هنا، يسود اعتقاد بأنّ وضع قانون الانتخابات على مشرحة التعديل يهدف إلى قطع الطريق أمام احتمالات أكثر سوداويّة قد تفرضها التطوّرات السياسيّة إذا لم تأتِ لمصلحة “الثنائيّ”. ولهذا يفضّل العمل منذ الآن على تعديل القانون القائم، بشكل تتقاطع فيه الاعتبارات السياسيّة مع العوائق التقنيّة المرتبطة بمسألة البطاقة الممغنطة والميغاسنتر مع اقتراع المغتربين والإصلاحات الممكن إدخالها على القانون النافذ.

تضارب المصالح

أمّا الهدف الأساس بالنسبة للثنائيّ فهو توسيع الدوائر الانتخابيّة، بما يسمح لفائضه الشعبيّ الكبير في مناطق نفوذه بالتأثير في نتائج دوائر أوسع ومختلطة طائفيّاً. غير أنّ هذا المسعى يصطدم بمعارضة متعدّدة المصادر: فالمسيحيّون يفضّلون السيناريو المعاكس تماماً، أي تصغير الدوائر، لأنّها تحمي تمثيلهم المباشر. والنواب السنّة يرفضون التوسيع لأنّهم غير مؤطّرين في حزب جامع يمكّنهم من الاستفادة من دوائر كبيرة، على غرار ما تتيحه للقوى المنظّمة حزبيّاً، خصوصاً مع التباس وضع تيّار المستقبل. أمّا الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ فلا يُبدي حماسة للتوسيع، ويميل بدلاً من ذلك إلى العودة إلى النظام الأكثريّ.

بذلك يتحوّل ملفّ تعديل القانون إلى اختبار صعب جدّاً، إذ تتناقض مصالح الأطراف المعنيّة بنيويّاً لا تكتيكيّاً، فيما يفتقر الثنائيّ أصلاً إلى الأغلبيّة النيابيّة اللازمة لفرض أجندته منفرداً، ما يرجّح أن تنتهي محاولة التعديل، كما في محطّات سابقة، إلى نتيجة صفريّة… إلّا إذا كان الهدف من كلّ هذه الورشة هو الركون إلى صوتين تفضيليَّين لا صوت واحد، وهو تعديل يناسب الأحزاب الكبيرة ويقضم من حصّة النوّاب المستقلّين، ما قد يجعله هدفاً مشتركاً للحلفاء والخصوم، من الأحزاب، على حدّ سواء.

من هنا تبرز الأسئلة السياسيّة الفعليّة: ما توقيت قرار إحياء اللجنة؟ هل المطلوب فعلاً تحسين الجهوزيّة التقنيّة والإداريّة للانتخابات المقبلة أم تحمل إعادة فتح ملفّ قانون الانتخاب في طيّاتها محاولة لإعادة النظر في قواعد اللعبة الانتخابيّة؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى