هل تفتتح حكومة سلام عصر “عنَجر جديدة” لعهد الشرع في لبنان؟
بقلم: د. هشام الأعور

تطرح حادثة تسليم السلطات اللبنانية للواء السوري المتقاعد عادل عيسى إلى دمشق في منتصف ليل 18 آب 2026 علامات استفهام كبرى، وتثير مخاوف قانونية وسياسية عميقة بشأن مدى التزام لبنان بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة. إن الشبهات والاتهامات المتعلقة بجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية الموجهة لعيسى لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن تُتخذ ذرائع لتجاوز الأطر القانونية الملزمة، أو لتبرير إجراءات موجزة تضرب بعرض الحائط بمبادئ العدالة الأساسية.
تتجلى الخطورة الأولى لهذه الخطوة في الانتهاك البين للالتزامات الدولية المفروضة على الدولة اللبنانية، وعلى رأسها اتفاقية مناهضة التعذيب. تنص الاتفاقية بوضوح تام على حظر تسليم أو ترحيل أي شخص إلى دولة أخرى إذا توفرت أسباب دالة على إمكانية تعرضه لخطر التعذيب أو المعاملة القاسية. وفي حالة عيسى، تم تنفيذه عملية التسليم بسرعة قياسية وبطريقة خالية من أي تقييم مستقل ومعمق لمخاطر التعذيب أو عقوبة الإعدام التي قد يواجهها، مما يمثل خرقًا واضحًا لقواعد القانون الدولي الآمرة.
وعلى المستوى المحلي والتنفيذي، كشفت ملابسات التسليم عن ضرب متعمد لضمانات حقوق الدفاع:
تغييب شفافية القرار: جرى اتخاذ قرار التسليم دون إطلاع الوكيل القانوني للمطلوب على أسبابه والأسس التي بُني عليها، وهو ما يتناقض حتى مع أحكام المادة العاشرة من الاتفاق القضائي لعام 1951 بين البلدين التي تشترط أن يكون القرار علنيًا ومعللاً.
تجاهل طلبات اللجوء: أُهملت طلبات الحماية واللجوء التي قُدمت رسميًا سواء لدى المراجع اللبنانية أو لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، ونُفّذ قرار الترحيل بتسرّع قبل البت فيها أو إتاحة المجال للاستجابة لها.
الالتفاف على المسار التشريعي: جرى الترحيل قبيل أيام قليلة من نشر قانون إلغاء عقوبة الإعدام في الجريدة الرسمية (في 20 آب 2026)، تجنبًا للتعارض القانوني المباشر الذي ينشأ في حال نصت قوانين الدولة الطالبة على عقوبات ملغاة في قانون الدولة المُسلّمة.
إن الذرائع التي سُيقت للتعجيل بهذه العملية—ومنها خشية إحداث أزمة دبلوماسية—تؤكد تقديم الحسابات والسياسات الضيقة على حساب سمو القانون وسيادته. وما تلا الترحيل من نشر مشاهد تُظهر المطلوب معصوب العينين وتحت حراسة مشددة دون حضور واضح لدفاع قانوني حقيقي، يعزز المخاوف من تحول العملية برمتها إلى مجرد إجراء شكلي ينتهي بالمساس بكرامة وحقوق الإنسان المضمونة بموجب القوانين الدولية.
إن المضي في مثل هذه الإجراءات الناقصة يؤسس لسابقة خطيرة داخل المنظومة القضائية والأمنية اللبنانية، حيث تُحرم الأفراد من حقهم الطبيعي في التقاضي المزدوج والطعن، وتتحول طلبات التسليم والاسترداد إلى أدوات سياسية تتجاوز المعايير الدولية لحقوق الإنسان. إن تحقيق العدالة والمساءلة عن الجرائم الشديدة الخطورة لا يستقيم إلا عبر احترام سيادة القانون وتوفير المحاكمات العادلة، وليس عبر التسليم القسري والإجراءات الالتفافية.




