مجتمع ومنوعات

السويداء… مدينةٌ اغتيل فيها الأمان، وبكى فيها الحجر قبل البشر

بقلم: سليمان زهير شيا

هناك مدنٌ تُكتب أسماؤها بالحبر، وهناك مدنٌ يكتبها التاريخ بالدم. وهناك مآسٍ لا تكفيها الكلمات، ولا تسعها الكتب، لأنها محفورة في القلوب قبل أن تُدوَّن في الصفحات.
السويداء… مدينة الكرامة والشهامة، المدينة التي عرفت عبر تاريخها معنى العزة والإباء، وجدت نفسها في أيامٍ حالكة أمام واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخها الحديث. لم تكن المأساة مجرد اشتباكات عابرة أو حدث أمني ينتهي بانتهاء أصدائه، بل كانت جرحاً عميقاً في جسد الوطن، ترك خلفه ضحايا، وبيوتاً مكلومة، وأطفالاً سرقت منهم براءة العمر، وأمهاتٍ لن يجف دمعهن ما دامت الحياة.
في تلك الساعات الثقيلة، لم يكن الرصاص يستأذن أحداً، ولم يكن الموت يفرّق بين طفلٍ يحلم بمستقبلٍ جميل، وشيخٍ أمضى عمره يدعو إلى الحكمة، وامرأةٍ لم تحمل في قلبها إلا المحبة لعائلتها وأرضها. كانت الأرض ترتجف تحت وقع المأساة، وكانت السماء شاهدة على دموعٍ اختلطت بدماء الأبرياء، حتى بدا وكأن الجبال نفسها تبكي حزناً على أهلها.
أي وجعٍ هذا الذي يجعل البيوت تتحول إلى مجالس عزاء؟ وأي قسوةٍ تلك التي تجعل الأطفال يكبرون في لحظة واحدة، بعدما فقدوا آباءهم وأمهاتهم وإخوتهم؟ وكيف يمكن لذاكرة شعبٍ أن تنسى مشاهد الألم التي حفرت في وجدانه ندوباً لن تمحوها السنون؟
لقد تركت هذه الأحداث أثراً بالغاً في نفوس أبناء الطائفة التوحيدية الدرزية، وأثارت أسئلةً كثيرة حول أسبابها وخلفياتها. وبين تعدد الروايات والتفسيرات والاتهامات، يبقى الثابت الذي لا يختلف عليه اثنان أن الأبرياء هم من دفعوا الثمن الأكبر، وأن المدنيين كانوا الضحية الأولى لهذا المشهد المأساوي.
إن الدم البريء لا يجب أن يصبح رقماً في نشرات الأخبار، ولا ورقةً في صراعات السياسة، ولا وسيلةً لتصفية الحسابات. فالإنسان، أيّاً كان انتماؤه، هو القيمة الأعلى، وحماية حياته وكرامته مسؤولية لا يجوز التفريط بها تحت أي ظرف.
إن ما جرى في السويداء لم يكن مجرد اعتداء على أفراد، بل كان اعتداءً على الشعور بالأمان، وعلى قيم العيش المشترك، وعلى تاريخ منطقةٍ عُرفت بحكمتها واعتدالها. ومن هنا، فإن كشف الحقيقة كاملة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون، ليس مطلباً لفئة دون أخرى، بل هو واجب أخلاقي وإنساني يهم كل من يؤمن بالعدالة.
أيها العالم… كم من الدماء يجب أن تُراق حتى يستيقظ الضمير؟ وكم من الأمهات يجب أن يرتدين السواد حتى يُسمع صوتهن؟ وكم من الأطفال يجب أن يفقدوا طفولتهم حتى يدرك الجميع أن الإنسان أغلى من كل صراع، وأسمى من كل حساب؟
ورغم كل هذا الألم، ستبقى السويداء شامخة كما عرفها التاريخ، وستبقى جبالها شاهدة على شعبٍ لم تنكسر إرادته رغم المحن. فالكرامة التي حملها الآباء ستبقى ميراثاً للأبناء، والحق، مهما طال الزمن، لا يسقط بالتقادم، والذاكرة لا تموت، لأنها تحفظ أسماء الضحايا كما تحفظ الأرض أسماء شهدائها.
رحم الله جميع الضحايا، وشفى الجرحى، وفكَّ قيد المفقودين، وألهم ذويهم الصبر والسلوان. نسأل الله أن يحفظ السويداء وأهلها، وأن يعيد إلى سوريا الأمن والاستقرار، وأن يكون المستقبل قائماً على العدالة، وسيادة القانون، واحترام كرامة الإنسان، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي مع أي مكوّن من مكونات الوطن.
فالسويداء ليست مجرد مدينة… إنها رمزٌ للكرامة. وإذا كانت الدماء قد سالت على ترابها، فإنها ستبقى شاهدةً على أن الحق لا يموت، وأن الشعوب التي تحفظ كرامتها قادرة، مهما اشتدت المحن، على النهوض من جديد، لأن الأوطان تُبنى بالعدالة، وتصان بالوحدة، وتحيا بكرامة الإنسان.
المجد لذكرى الضحايا… الرحمة للشهداء… الشفاء للجرحى… والحرية والكرامة والسلام لسوريا وأهلها جميعاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى