
لم يكن المونديال يوماً حدثاً رياضياً فقط لا غير، إذ بما أن الكل ينغمس به، فقد شكّل مناسبةً اجتماعية وثقافية تركت بصمتها الواضحة في كل مكان.
هنا في لبنان، دائماً ما تحوّلت الشوارع والأحياء السكنية إلى ما يمكن تشبيهه بمقرات السفارات، فكانت الأعلام الوطنية للدول المشاركة تتدلى من الشرفات، وتُرفع على أسطح المنازل، وتزيّن السيارات التي تجوب الطرقات، فلم تكن المنافسة تقتصر على نتائج المباريات و«التزريك»، بل امتدت إلى استعراض أكبر علمٍ وأجمل زينة سيارة وأكثرها لفتاً للأنظار.
بالفعل بالكاد مرّت سيارة هنا وأخرى هناك من دون علم البرازيل أو ألمانيا أو فرنسا أو الأرجنتين أو غيرها من المنتخبات المرشّحة دائماً للفوز باللقب.
وحتى الأطفال كانوا جزءاً من هذه الأجواء، فالطائرات الورقية التي اختفت تدريجياً من سماء لبنان، حملت ألوان المنتخبات التي يشجعونها، فعكست مشهداً يعكس الحماسة الشعبية للمونديال.
لكن هذه الظاهرة التي رافقت أجيالاً كاملة تلاشت تدريجياً، حتى أصبحت نادرة في معظم المناطق اللبنانية، فما الذي تغيّر؟
العالم الرقمي يُخفي الأعلام
أحد الأسباب الرئيسية يعود إلى التحوّلات الاجتماعية التي شهدتها المجتمعات خلال العقد الأخير من الزمن، ففي الماضي، كانت المساحات العامة جزءاً أساسياً من التعبير الجماعي، وكان الانتماء إلى مجموعة أو فريق يُظهر علناً من خلال الأعلام والرموز. أما اليوم، فقد انتقل جزءٌ كبير من هذا التعبير إلى العالم الرقمي، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي المكان المفضّل لإعلان التشجيع وإبداء الحماسة ومشاركة الآراء والصور.
كما لعبت التغيرات الاقتصادية دوراً مهماً، إذ إن تكلفة شراء الأعلام والزينة والمواد المرتبطة بالبطولات لم تعد أولوية لدى الكثيرين في ظل الأزمات المعيشية وارتفاع الأسعار. وبات الإنفاق على مظاهر الاحتفال أقل حضوراً مقارنة بالماضي.
دائماً ما تحوّلت الشوارع والأحياء السكنية إلى ما يمكن تشبيهه بمقرات السفارات
مسألةٌ يؤكدها أحد الباعة في المتن الشمالي، الذي يعرض أمام متجره المخصّص لبيع زينة السيارات مجموعةً كبيرة من الأعلام، فيؤكد لـ «الأخبار» أن عملية البيع ضعيفة جداً «كما ترى، فإن علم قطر يتواجد حتى بين هذه الأعلام، ما يعني أن هذه البضاعة بقيت لدينا منذ 4 أعوام، أي منذ استضافة الدولة الخليجية للنسخة الماضية عام 2022». ويضيف: «نعرض هذه الأعلام الآن، ونعرف أننا لن نجني أرباحاً كما كانت الحال عليه في الماضي البعيد، فهذه الخطوة تبقى تقليداً، وتترك شيئاً من روح المونديال للجيل الحالي الذي تنصبّ اهتماماته في أماكن أخرى».
بالفعل، تغيّرت طبيعة العلاقة مع كرة القدم نفسها، فالأجيال الجديدة تتابع اللاعبين أكثر مما تتابع المنتخبات، وتبني ارتباطها العاطفي مع النجوم والأندية العالمية عبر الشاشات والمنصات الرقمية، فكان بالتالي تراجع الحماسة التقليدية المرتبطة برفع علم دولة معيّنة أو تزيين الحيّ بألوانها.
التحوّلات العمرانية والاجتماعية
ولا يمكن إغفال تأثير التحوّلات العمرانية ونمط الحياة الحديثة، إذ إن الكثير من الأشخاص انتقلوا إلى مجمعات سكنية أو أبنية تفرض قيوداً على تعليق الأعلام والزينة الخارجية، بينما تقلّصت العلاقات الاجتماعية المباشرة بين الجيران التي كانت تشجع على المنافسة الودية في إظهار مظاهر التشجيع.
كذلك أسهمت كثافة الأحداث السياسية والاقتصادية والأمنية التي شهدتها البلاد في الأعوام القريبة الماضية في تراجع الاهتمام بالمظاهر الاحتفالية المرتبطة بالرياضة، إذ إن الأولويات اليومية أصبحت الأساس بالنسبة إلى الكثيرين، ما انعكس على حجم التفاعل الشعبي العام.
وتبقى المقاهي والمطاعم التي نَصَبت الشاشات العملاقة لاستقطاب الزبائن إليها خلال المباريات، الشاهد الوحيد على حقبةٍ اختفت، إذ إن الأعلام هي الزينة الأساسية بالنسبة إليها هذه الأيام. وفي هذا الإطار، يقول صاحب مقهى في منطقة انطلياس: «رغم اختفاء الأعلام من الشرفات والطرقات إلى حدٍّ كبير، فإن الشغف بكأس العالم لم يختفِ، لذا نعتبر أن الساحة الجديدة للتعبير ستكون لدينا، إذ يُقاس التشجيع بعدد مشجعي هذا المنتخب أو ذاك الذين سيحضرون المباراة سويّاً. ما يحصل هو نقلة من الاحتفال الجماعي في الشارع إلى الاحتفال أمام الشاشة، وذلك بسبب التغيّر الذي شهده نمط العيش في لبنان حيث أصبح الناس يفضّلون حضور المباريات خارج المنزل، وبالتالي يحملون أعلامهم معهم إلى أماكن تجمّعهم».
إذاً تعكس التحوّلات في المجتمع أنماطاً جديدة، لتخفي ظاهرة استثنائية لم تعرفها بلدان كثيرة، لكنها تبقى جزءاً من ذاكرة المونديال، وتترك قناعةً بأن المشهد يتغيّر بحسب تغيّر طباع وأهواء الناس.




