اخبار محليةالرئيسية

لقاءات واشنطن: الجيش يرفض زجه في النقاش السياسي

الأخبار

على وقع أعنف تصعيد إسرائيلي على الجنوب منذ أسابيع، اختارت سلطة الوصاية الأميركية – السعودية المُضي في مسار الاجتماعات الأمنية مع العدو الإسرائيلي من دون أي تلويح جدّي بإعادة النظر بالمشاركة أو حتى رفع السقف السياسي في مواجهة الضغوط الميدانية المتصاعدة.

وبينما كانت الطائرات الإسرائيلية تدكّ النبطية وصور ومحيطهما، مستهدفة أحياء مدنية وعناصر إسعاف ودفاع مدني، بدا المشهد الرسمي أقرب إلى محاولة احتواء التصعيد دبلوماسياً، بدلاً من تحويله إلى ورقة ضغط مقابلة في وجه تل أبيب وواشنطن، بشكل صارَ مريباً ومشبوهاً إلى الحدّ الذي يستقطب معه انتقادات كثيرة، آخرها لرئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة الذي اعتبر في حديث إلى قناة «العربية» أنه «ليس من المنطقي أن تستمر الحكومة اللبنانية في المفاوضات في ظل استمرار القصف وعمليات القتل والتدمير».

وبحسب أوساط متابعة، فإن إسرائيل قرأت هذا السلوك اللبناني باعتباره مؤشراً إضافياً على تمسك الدولة بخيار التفاوض مهما ارتفع منسوب النار، ما شجعها على مواصلة سياسة الضغط الميداني بالتوازي مع المسار التفاوضي، في محاولة لفرض وقائع جديدة. فـ«تل أبيب لا تفصل بين التصعيد العسكري وبين المفاوضات الجارية، بل تتعامل مع الاثنين كمسار واحد هدفه انتزاع تنازلات تدريجية تحت الضغط».

وسطَ هذا المناخ، انعقد أمس الاجتماع العسكري اللبناني – الإسرائيلي في «البنتاغون» بمشاركة ضباط من القيادة الأميركية الوسطى تمهيداً لاستئناف الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة في 2 و3 حزيران المقبل، برعاية أميركية، بعدما فشلت الاتصالات الإسرائيلية مع واشنطن في تأجيلها بحسب مصادر متابعة، ليس اعتراضاً على انعقادها، بل رغبة في زيادة الضغط.

, كان الوفد اللبناني قد وصل إلى العاصمة الأميركية برئاسة مدير العمليات في الجيش العميد جورج رزق الله، ويضمّ كلّاً من العميد الركن زياد رزق الله، والعميد الركن شادي أبو كروم، والعميد الركن وائل عباس، والعقيد مازن الحاج، والعقيد وديع رفول، مع تعليمات صارمة من قائد الجيش العماد رودولف هيكل بحصر النقاش في الإطار التقني – العسكري المرتبط بتثبيت وقف إطلاق النار ومنع التدهور الأمني، بعيداً من أي مقاربات سياسية أو تفاوضية أوسع يمكن أن تستغلها إسرائيل لاحقاً في الداخل والخارج، وأنه غير معني بمناقشة عناوين سياسية كبيرة من قبيل نزع سلاح حزب الله.

وبحسب المعلومات، فإن الوفد العسكري اللبناني ذهب وهو يضع في مقدمة أولوياته المطالبة بتثبيت الهدنة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، مع الرهان على دور أميركي ضاغط لمنع إسرائيل من استخدام المفاوضات غطاءً لاستكمال التصعيد العسكري أو توسيع نطاق عملياتها جنوباً. وبينما كان الاجتماع قائماً، أعلن القصر الجمهوري أن الرئيس جوزيف عون، أكد خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو «ضرورة بذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، والممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة». ونقل عون عن روبيو تأكيده التزام الإدارة الأميركية والاستمرار في مساعيها لتثبيت مخرجات لقاءات واشنطن السابقة، وأيضاً دعمها استقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه.

وبحسب النص الرسمي لوزارة الخارجية الأميركية فإن روبيو «أشاد الوزير بشجاعة الرئيس عون ورؤيته في السعي إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، حتى في الوقت الذي يواصل فيه حزب الله محاولاته لإفشال تلك المحادثات على حساب الشعب اللبناني». وإن روبيو «أعاد التأكيد على أن حزب الله يتحمّل المسؤولية الكاملة عن القتال المستمر، ويجب أن يوقف حزب الله فوراً هجماته واستفزازاته لتمكين خفض التصعيد».

العدو رفض مقترحاً بجدولة الانسحاب والسلطة تقول إنها تبحث مع واشنطن سبل وقف الحرب قبل السير في خطة حصر السلاح وواشنطن تغطي مطالب الاحتلال

وطوال النهار، واكبت بعبدا وقيادة الجيش تفاصيل الاجتماع عبر اتصالات متواصلة مع الوفد العسكري اللبناني والسفارة في واشنطن، وسط تسريبات من بعبدا بأن الأولوية في بيروت هي وقف إطلاق النار قبل أي شيء آخر. وبحسب مصادر مطلعة فإن «هذا هو العنوان الذي دخل به الوفد اللبناني إلى الاجتماعات، في مواجهة مسعى إسرائيلي إلى تحويل المفاوضات إلى منصة تبحث مستقبل سلاح حزب الله وترتيبات الجنوب الأمنية، بدل البحث في إنهاء الحرب نفسها»، وقالت المصادر إن «لبنان تعمد منذ البداية منع توسيع جدول الأعمال نحو ملفات يعتبر أنها تأتي لاحقاً، لأن أي نقاش سياسي أو أمني في ظل استمرار الغارات والاغتيالات والتهديدات لا يمكن فصله عن ميزان الضغط العسكري الذي تحاول تل أبيب استثماره، وأكد أن أي حديث عن آليات مراقبة أو تعزيز دور الجيش أو ترتيبات ميدانية يبقى سابقاً لأوانه ما لم يُثبت أولاً وقف النار بشكل واضح وفعلي».

لكن الوفد الإسرائيلي كان يبحث في مكان آخر، إذ كشفت المصادر أن «العدو ركز على ملف المسيّرات والبنية العسكرية شمال الليطاني، وقد قدم خرائط ومعلومات عن مواقع يعتبرون أنها مرتبطة بالحزب، وطلب من الجيش تفكيكها قبل البحث في أي طلب لبناني ولا سيما الانسحاب من الجنوب».

وقالت هيئة البث الإسرائيلية إن معلوماتها تشير إلى «توتر ساد في الاجتماع العسكري، بعدما طلب وفد الجيش اللبناني وقف إطلاق النار وإعداد جدول بالانسحاب من الأراضي المحتلة « وردّ الوفد الإسرائيلي بأنه «سيبقى في المناطق التي يحتلها طالما هناك تهديدات تواجهه في الميدان من قبل حزب الله». وأن الجانب الأميركي يعمل «على مقترح جديد لإعلان وقف إطلاق النار، يشمل نزع سلاح حزب الله». وبحسب إعلام العدو فإن اجتماع الأمس لم يأتِ بأي نتيجة تلبّي طلبات لبنان. وقالت القناة i24 إن «القيادات الأمنية والسياسية في إسرائيل تعمل بقوة لضمان عدم تقييد حرية الجيش في العمل في لبنان بموجب أي اتفاق إيراني – أميركي».

وعلى ذمة المصادر فقد رفض لبنان هذا الطرح، كما توجس من أفكار أخرى طرحت من بينها تشكيل لجنة مراقبة مشتركة مقرها الولايات المتحدة لمتابعة تنفيذ أي تفاهمات محتملة، خصوصاً أن الجيش رأى فيه وصاية أمنية مباشرة وشراكة أمنية مؤكدة مع الإسرائيلي. وهو أمر كانت قناة «الجزيرة» قد نقلته عن مصدر رسمي أكد أن الجيش سيبلغ الجانب الأميركي رفضه لأي نوع من التنسيق أو الشراكة في العمل مع القوات الإسرائيلية في أي منطقة من لبنان.

لكن النقطة التي حظيت بشبه اجماع بين الأوساط السياسية، هي أن الاجتماعات العسكرية لن تحسم أي ملفات استراتيجية، باعتبار أنها من «صلاحيات الوفد السياسي برئاسة سيمون كرم، الذي يعمل على مقاربة تقوم على الربط بين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من الأراضي اللبنانية وبين تنفيذ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية ضمن مراحل متزامنة»، فضلاً عن نقطة أساسية وهي أن «من يمسك بالميدان يملك وحده الكلمة الأخيرة، وهنا الإشارة إلى حزب الله الذي أكد أنه غير معني بهذه المفاوضات ولا بما تتعهد به الدولة». ما يعني أن «أي التزام تقدمه السلطة أو ترتيبات أمنية يجري الاتفاق عليها، خصوصاً أن المقاومة مستمرة طالما الحرب متواصلة والاحتلال باقٍ»، وهو ما أكده حزب الله مراراً برفضه العودة إلى ما قبل 2 أذار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى