اخبار محليةالرئيسية

بكركي بعد دار الفتوى: تغطية طائفية للتفاوض مع العدو

ميسم رزق - الاخبار

من يرفض توجيه أي انتقاد للبطريركية المارونية باعتبارها مرجعية دينية، هو نفسه من يزجّ بها في قلب الاشتباك السياسي كلّما احتاج إلى مظلة أو شرعية أو توجيه رسالةٍ ما. ففي لحظة سياسية دقيقة محلياً وإقليمياً ودولياً كالتي نعيشها، بدأت قوى سياسية، مثل حزبَي «القوات اللبنانية» والكتائب، تحجُّ إلى بكركي، متجاوزة التنافس السياسي، بحثاً عن توسيع الغطاء الداخلي لرهانات غير محسوبة تتعلق بالصراع مع إسرائيل.

تعتقد هذه القوى بأن تعذر تأمين إجماع سياسي حول التفاوض المباشر مع إسرائيل، يمكن تعويضه بغطاء توفره مرجعيات دينية. لذلك تأتي هذه الزيارات لتحقق الغرض نفسه الذي رمت إليه مواقف هيئات روحية أخرى، كدار الفتوى التي أصدرت موقفاً يغطّي التفاوض المباشر مع العدو، بطلب من الموفد السعودي يزيد بن فرحان، وبضغط إماراتي. إلّا أن هذا التوازن الظاهري يخفي إشكالية أعمق: استبدال النقاش الوطني حول قضايا سيادية بتجميع موافقات ضمن أطر طائفية!

فبعد بيان دار الفتوى الذي أظهر المرجعية السنية محامي دفاع عن مفاوضات غير شرعية مع كيان إرهابي يحتل أراضي عربية في فلسطين ولبنان وسوريا، تستكمل سلطة الوصاية الأميركية – السعودية العمل لتركيب «بازل طائفي» يؤمن الغطاء لرئيس الجمهورية جوزيف عون، وصولاً إلى تصوير المشهد العام وكأنه مكتمل باستثناء طرف واحد يشذّ عن القاعدة.

في هذا السياق، جاءت الزيارات إلى بكركي، وصولاً إلى زيارة السفير الأميركي ميشال عيسى لتعزيز هذا المنحى. وبعد الوفد القواتي، صرح رئيس حزب الكتائب سامي الجميل بعد زيارته البطريرك بشارة الراعي أمس، بأن «هناك التفافاً لبنانياً حول رئيسي الجمهورية والحكومة في مسار استعادة السيادة والقرار في لبنان، وهذا المسار لن يتوقّف».

بكركي ودار الفتوى انخرطتا في السجال السياسي لتعطيا انطباعاً بأنهما جزء من الغطاء للتفاوض المباشر لا مجرد شاهد عليه

وفيما ينتظر توافد مزيد من الشخصيات، بحجة دعم بكركي في وجه «الحملة التي تستهدفها»، لا يمكن تحميل هذه القوى وحدها مسؤولية ما يجري. فبكركي نفسها، وقبلها دار الفتوى، انخرطتا في السجال السياسي، في لحظة انقسام عامودي، لتعطيا انطباعاً بأنهما جزء من الغطاء للتفاوض المباشر مع إسرائيل، لا مجرد شاهد عليه. وحتى لو لم يكن ذلك مقصوداً، فإن الأثر السياسي يبقى قائماً: أي إشارة صادرة عن الصرح تُقرأ فوراً في سياق الاصطفاف السياسي.

أما القوى التي تتوافد إلى بكركي اليوم، فتتجلى انتهازيتها بوضوح، في انصياعها أمام المطالب الخارجية، وعودتها إلى الاستناد بالبطريرك في ملف شديد الحساسية، بعد تمايزها عنه في ملفات داخلية أساسية أخرى، تعاطت فيها وفق ما تُمليه عليها مصالحها الضيقة. وهذه الانتقائية تُحوِّل مرجعية بكركي إلى أداة ظرفية ووظيفية، بدل أن تكون مرجعية مبدئية.

ويزيد إدخال اسم جوزيف عون في هذا المشهد من تعقيده، إذ يعكس سعياً إلى ربط أي تحرك محتمل بمظلة سياسية ودينية، وربما خارجية. وهذا الربط يضع مؤسسات الدولة في موقع ملتبس، ويطرح تساؤلات حول حدود الفصل بين القرار الوطني والبحث عن شرعيات موازية له.

المفارقة هنا، أن المرجعيات الدينية، بدل أن تسهم في تخفيف الاستقطاب وفتح نقاش وطني شامل، تقبل باستخدامه في مسار يعمّق الانقسام عبر إضفاء طابع طائفي على قرار يفترض أن يكون جامعاً. وهكذا، تتحول مسألة كبرى إلى مادة ضمن لعبة توازنات، حيث يُقاس الموقف بقدر ما يحظى به من غطاء طائفي، لا بمدى شرعيته الدستورية أو قبوله شعبياً.

الخلاصة أن ما يجري لا يقتصر على زيارات سياسية أو مواقف عابرة، بل يعكس اتجاهاً مقلقاً: انتقال القرار من فضاء الدولة إلى الرموز، ومن النقاش الوطني إلى التوازنات الطائفية. وهنا، تتحمل الأحزاب مسؤولية استغلال الرموز، كما تتحمل بكركي وغيرها من المرجعيات مسؤولية حماية موقعها من هذا الاستخدام، أو أقله، دوزنة الموقف، كما فعل المجلس المذهبي للطائفة الدرزية، أمس، إذ أكد في بيان بعد اجتماعه الدوري برئاسة شيخ العقل سامي أبي المنى، الوقوف إلى جانب الدولة. لكنه حدد سقف دعمه للمفاوضات بأن تفضي إلى وقف شامل للنار، وانسحاب كامل من الأراضي المحتلة، وتأمين عودة كريمة للنازحين تمهيداً لورشة الإعمار، وحيّا «صمود الشعب اللبناني وتشبثه بأرضه»، محذراً من «خطابات التحريض والترهيب التي تبث سموم التفرقة الطائفية والمناطقية».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى