اخبار محلية

كتب د. هشام الأعور .. السلام في لبنان: مفارقة الدولة الغائبة وقرار الميدان

في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة، لم يعد الحديث عن السلام في لبنان مجرد نقاش نظري أو ترف سياسي، بل بات يُطرح كخيار محتمل ضمن مسارات إعادة ترتيب المنطقة. غير أن هذا الطرح، حين ينتقل من إطار المناورة التكتيكية إلى حيز البحث الجدي، يفتح باباً واسعاً على أسئلة وجودية تتصل بطبيعة الكيان اللبناني وتركيبته الدقيقة، لا سيما في ما يتعلق بالموقع والدور والمصير.
لطالما تعاملت بعض النخب اللبنانية، وخصوصاً في البيئة المارونية السياسية، مع فكرة السلام مع إسرائيل باعتبارها أداة ظرفية لتخفيف الضغوط، لا خياراً استراتيجياً قابلاً للتحقق. هذا التقدير لم يكن وليد لحظة، بل نتاج قراءة تاريخية لمسارات مشابهة في المنطقة، حيث أظهرت التجارب أن الانتقال من الصراع إلى السلام لم يكن عملية سلسة أو مستقرة، بل محفوفة بأثمان داخلية باهظة.
تجارب الإقليم تقدم مؤشرات لافتة في هذا السياق. فاغتيال إسحاق رابين بعد توقيعه اتفاق أوسلو، وما تعرض له ياسر عرفات من حصار وعزلة بعد خياره التفاوضي، يعكسان حجم الانقسام الذي يمكن أن يولده السلام داخل المجتمعات المعنية. وكذلك مصير أنور السادات بعد اتفاق اتفاقية كامب ديفيد، حيث لم تحمِه شرعية الإنجاز العسكري ولا الغطاء السياسي من ردود الفعل العنيفة. وحتى في الحالات التي استمر فيها السلام رسمياً، بقيت الفجوة واسعة بين الدولة والمجتمع، كما في مصر، حيث ظل التطبيع الشعبي محدوداً رغم مرور عقود.
انطلاقاً من هذه السوابق، يُطرح التساؤل حول قدرة لبنان، بتركيبته الهشة، على تحمّل تبعات خيار مماثل. فالدولة اللبنانية تعاني أصلاً من أزمة بنيوية عميقة: مؤسسات ضعيفة، انقسام سياسي حاد، انهيار اقتصادي، وتآكل في الثقة بين مكونات المجتمع. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أي قرار استراتيجي كبير، كالسلام، محفوفاً بمخاطر تفوق قدرات الدولة على الاستيعاب.
غير أن المفارقة الأكثر حساسية تكمن في فجوة القرار بين الدولة والميدان. فالجهة التي يُفترض بها أن تفاوض، أي الحكومة اللبنانية، لا تمتلك عملياً السيطرة الكاملة على قرار الحرب والسلم، ولا على أدوات القوة على الأرض. في المقابل، فإن القوة الفاعلة عسكرياً، والمتمثلة بـ”حزب الله”، تعلن صراحة رفضها لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل. هذا الانفصام بين السلطة الرسمية والواقع الميداني يجعل أي طرح للسلام فاقداً لركنه الأساسي: وحدة القرار السيادي. فكيف يمكن لدولة أن تفاوض على إنهاء صراع، فيما الطرف الذي يخوض هذا الصراع فعلياً لا يعترف أصلاً بشرعية هذا المسار؟
يزداد هذا التعقيد مع وجود عوامل داخلية وخارجية متشابكة. فارتباط “حزب الله” بمحور إقليمي أوسع يجعل من مسألة السلام جزءاً من توازنات تتجاوز الحدود اللبنانية. كما أن وجود مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين، واستمرار الصراع العربي-الإسرائيلي كقضية مركزية في الوعي الجمعي، يضيفان بعداً حساساً لأي خطوة في هذا الاتجاه.
من جهة أخرى، لا تبدو البيئة الإقليمية مهيأة لاحتضان مثل هذا التحول. فالتوترات المستمرة، واستمرار العمليات العسكرية، وانعدام الثقة المتبادلة، كلها عوامل تقوض أي حديث جدي عن سلام مستقر. فالدولة التي لا تزال تتعرض لاعتداءات أو تهديدات يصعب عليها إقناع شعبها بجدوى الانتقال إلى شراكة مع الطرف نفسه.
كما أن فكرة “السلام تحت الضغط” تطرح إشكالية إضافية. إذ إن أي اتفاق يُفرض في ظل اختلال موازين القوى، أو تحت وطأة الأزمات، غالباً ما يُنظر إليه كتنازل أو استسلام، لا كخيار سيادي حر. وهذا ما يفقده شرعيته الداخلية، ويجعله عرضة للاهتزاز عند أول اختبار.
في المقابل، يفترض أي مسار سلام ناجح توافر حد أدنى من الشروط الموضوعية: انسحاب كامل من الأراضي المتنازع عليها، وقف شامل ومستدام لإطلاق النار، وضمانات دولية حقيقية، إضافة إلى بيئة داخلية متماسكة قادرة على احتضان القرار. دون ذلك، يبقى الحديث عن السلام أقرب إلى الطرح النظري منه إلى المشروع القابل للحياة.
تاريخياً، أظهرت القيادات اللبنانية التقليدية حذراً شديداً في هذا الملف. شخصيات مثل بيار الجميل وكميل شمعون، رغم اختلاف مواقفها السياسية وتحالفاتها، لم تذهب إلى خيار السلام الكامل، إدراكاً منها لتعقيدات البيئة اللبنانية وحدود القدرة على تحمّل تداعيات كهذه.
في المحصلة، لا يمكن مقاربة مسألة السلام في لبنان بمعزل عن السياقين الداخلي والإقليمي. فالأمر لا يتعلق بقرار سياسي تقني، بل بخيار مصيري يعيد تعريف موقع لبنان ودوره. وبينما قد يبدو السلام، في بعض اللحظات، مخرجاً من الأزمات، إلا أن غياب شروطه الموضوعية، إلى جانب غياب وحدة القرار بين الدولة والميدان، يحوله إلى مغامرة غير محسوبة، قد تفتح الباب أمام أزمات أعمق بدل أن تغلقها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى