
كشف مرجع وزاري لـ«الأخبار» أن مناخات التحريض المتصاعدة ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل تقف خلفها «القوات اللبنانية»، إلى جانب شخصيات لبنانية وأميركية من أصل لبناني تتولّى إدارة الحملة في الولايات المتحدة. ولفت إلى أن طبيعة المواقف التي يعبّر عنها وزراء «القوات» داخل الحكومة، سواء في المداولات الرسمية أو في اللقاءات الخاصة، توحي بوجود برنامج مُنظّم لا يهدف فقط إلى توجيه الحكم نحو خطوات مرتبطة بمحاصرة حزب الله، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إظهار أن رئيس الجمهورية «ليس أهلاً للثقة التي منحته إياها واشنطن والرياض».
وبحسب المرجع، فإن مراجعة ما جرى خلال الأسبوع الماضي تشير إلى وجود غرفة عمل مُنسّقة تدير هذا المسار، لافتاً إلى أن التوجّه الرئيسي الذي تعتمده «القوات» يقوم على الآتي:
أولاً: محاولة إبقاء قائد «القوات» سمير جعجع بعيداً عن الأضواء قدر الإمكان، مع تجنّب القيادات البارزة في الحزب إطلاق مواقف مباشرة تتصل بالحملة.
ثانياً: تكثيف التعليمات لوزراء «القوات» ووزراء آخرين تربطهم علاقة جيدة بجعجع، من أجل طرح ملفات مُحدّدة داخل مجلس الوزراء، تتصل بحزب الله، وتركّز أساساً على سبل إلزام المؤسسات الرسمية بتنفيذ قرارات الحكومة.
ثالثاً: الترويج لفكرة أن رئيس الجمهورية لم يعد موضع ثقة لدى الأميركيين، ويفتقر إلى مساعدين، وأن المحيطين به ليسوا سوى «عونيين حاقدين»، في موازاة السعي إلى إسقاط الغطاء الذي يوفّره لقيادة الجيش.
رابعاً: تصوير قيادة الجيش على أنها في حالة «تمرّد ضمني» بسبب عدم تنفيذ بعض قرارات الحكومة، مع الإيحاء بوجود مجموعة من الضباط داخل المؤسسة العسكرية تربطهم علاقات مع حزب الله ويتولّون التنسيق معه.
ويكشف المرجع أن من بين آخر الأفكار التي ناقشها قادة «القوات» مع عدد من الوزراء، التوجّه في أول جلسة لمجلس الوزراء إلى الدفع نحو تبنّي مجموعة خطوات، أبرزها إعلان استعداد لبنان ليس فقط للدخول في مفاوضات مع إسرائيل، بل السعي إلى توقيع اتفاقية سلام في أسرع وقت، باعتبار أن حصول ذلك من شأنه إسقاط أي مبرّر لبقاء حزب الله وسلاحه، إضافة إلى التركيز على اعتبار أي مسؤول أو عنصر في حزب الله يواصل المشاركة في عمليات عسكرية مخالفاً للقوانين، والتعامل معه كمطلوب للعدالة، وصولاً إلى تصنيف الحزب جهة خارجة عن القانون في حال رفض تنفيذ قرارات الحكومة.
ينشط موفدو جعجع في أميركا ووزراؤه في الحكومة لتسعير الحملة ضد حزب الله واعتباره منظّمة إجرامية غير شرعية
وفي السياق نفسه، يقول المرجع إن قيادة «القوات» أثارت مع عدد من الوزراء ملف المؤسسات التابعة لحزب الله، من «القرض الحسن» إلى المدارس والمراكز الطبية والاجتماعية، باعتبارها مؤسسات «غير شرعية»، ينبغي العمل على إقفالها ومصادرة موجوداتها، وإحالة القائمين عليها إلى القضاء. كما جرى تشاور بين قيادة «القوات» وحزب الكتائب حول ملف القضاء العسكري، لجهة إلزام النيابات العامة، بما فيها مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، بـ«اعتماد نهج أكثر تشدّداً في العقوبات بحق عناصر حزب الله الذين يتم توقيفهم، ومنع إطلاق سراح أيّ منهم».
وبحسب المرجع، فإن المشكلة الأكبر التي تواجه «القوات» اليوم تتمثّل في موقف رئيس الجمهورية، الذي وإن لم يُبدِ ترحيباً أو دعماً لما يقوم به حزب الله، فإنه يرفض في المقابل المساس بقيادة الجيش بأي شكل. وهو اتّفق مع رئيس الحكومة نواف سلام على أن «أي تغيير في قيادة الجيش تحت ضغط سياسي من شأنه كسر المؤسسة العسكرية»، لافتاً إلى أن عون «يدرك خطورة هذا الأمر جيداً، خصوصاً أنه واجه ظروفاً مشابهة في مراحل سابقة».
وقد شهدت المرحلة الماضية نقاشات بين وزراء بارزين والرئيس سلام، حثّوه فيها على عدم التورّط في مشروع إقالة قائد الجيش، ولا سيما بعد وصول معلومات تفيد بأن «مناخاً من الاستياء يسود بين كبار الضباط في المؤسسة العسكرية». وبلغ الأمر حدّ أن «ضابطاً متقاعداً يعمل مستشاراً لدى أحد المسؤولين حذّر من أن إقالة العماد رودولف هيكل ستجعل أي قائد جديد مجرّد صورة شكلية تفتقر إلى ثقة الجيش، ولن يكون بمقدوره فرض خياراته على المؤسسة ككل». وأشار المرجع إلى أن هذه الأجواء نُقلت أيضاً إلى الجهات الخارجية التي ساهمت في الحملة على قيادة الجيش، وجرى إبلاغها بأن وضع المؤسسة العسكرية بالغ الدقّة، وأي خلل يصيبها في هذه المرحلة قد يقود إلى حالة شلل واسعة.
وفي هذا السياق، يلفت المرجع إلى أن وزير الصناعة جو عيسى الخوري «فوجئ بردّ الرئيس عون الحادّ عليه خلال جلسة لمجلس الوزراء»، عندما اعترض الخوري على طريقة تنفيذ الجيش لخطة حصر السلاح، إذ رفع عون صوته، سائلاً الوزير عن خبرته العسكرية «حتى يتحدّث وكأنه قائد الجيش ويقرّر كيف ينبغي أن تعمل المؤسسة العسكرية».
جنبلاط حذّر ساكن معراب من المسّ بهيبة الجيش ووحدته، ودعاه إلى التصرّف بحكمة مع ملف النزوح في مناطق نفوذه
وأوضح المرجع أن شخصيات بارزة في «القوات اللبنانية» في الولايات المتحدة، يتقدّمها جوزيف الجبيلي وتوم حرب وبعض المقرّبين من أعضاء في الكونغرس، ينشطون بالتعاون مع لبنانيين يعملون في مؤسسات بحثية، ويتواصلون مع عدد من النواب «التغييريين» الذين شاركوا في الحملة ضد عون وهيكل». وأشار إلى أن «الجهات المعنية» في الإدارة الأميركية، ولا سيما في وزارة الدفاع، تدرك خلفية تحرّكات هؤلاء، إلا أن ذلك لا يلغي «وجود استياء أميركي من عدم مبادرة الجيش إلى مواجهة حزب الله في بيروت قبل الجنوب».
وعلى صعيد متصل، علمت «الأخبار» أن أحد الوزراء الذين تلقّوا «إحاطة» من «القوات اللبنانية» ردّ بأنه يتلقّى توجيهاته من رئيس الجمهورية، مؤكداً أنه لم يسمع من القصر الجمهوري أي إشارة إلى وجود توجه للتصعيد الداخلي ضد حزب الله. كما أفيد بأن وزيراً آخر شدّد على أن «وضع الإدارة العامة في لبنان ليس من النوع الذي يتيح لوزير أو حتى لحكومة فرض مسار يقود إلى توترات داخلية».
وفي السياق نفسه، تبيّن أن النائب السابق وليد جنبلاط دخل على خط الاتصالات، إذ التقى كوادر في الحزب التقدّمي الاشتراكي من العاملين مع نجله النائب تيمور جنبلاط، داعياً إياهم إلى عدم الانجرار وراء أي حملة ضد حزب الله أو الجيش، والتركيز بدلاً من ذلك على خدمة النازحين في مختلف مناطق جبل لبنان وبيروت.
وعندما زار جنبلاط الابن معراب لحسم ملف التمديد للمجلس النيابي، حرص على إبلاغ سمير جعجع موقفاً واضحاً حول «أهمية وحدة المؤسسة العسكرية وتماسكها، وضرورة تحييد الجيش عن السجالات السياسية وتركه يقوم بمهامه كما يراها». وأوضح مساعدون لجنبلاط الأب أن هذا الموقف هدف إلى «إبلاغ جعجع بعدم ارتياح الحزب التقدّمي الاشتراكي للحملة التي يقودها ضد قيادة الجيش، وضد قرار الرئيسين عون وسلام بعدم إقالة قائد الجيش».
كما ركّز جنبلاط الابن خلال اللقاء على «ضرورة أن تتعامل القوات اللبنانية بحكمة مع ملف النزوح الشيعي، وألّا تبادر إلى خطوات استفزازية في مناطق نفوذها»، محذّراً من أن مثل هذه الخطوات قد تخلّف انعكاسات سلبية تتجاوز حزب الله وأنصاره.




