اخبار محلية

الوِلادَةُ سُنَّةُ الآذارِ، وَالتَّجَدُّدُ سِمَتُهُ

بقلم: طارق سيف الدين

التَّوالُدُ حاصِلُ الناتِجِ الطًّبيعيِّ لِلفِعلِ البِيولوجيِّ الكائِنِ عُضويًّا في صُلبِ التَّكوينِ الوُجوديِّ، والتَّفاعُلُ سِمَةٌ لهذا الوُجودِ الماثِلِ وخاصِّيَّةٌ فيه.

أمَّا الوِلادَةُ فهِيَ حادثةُ البِدايَةِ الزَّمَنِيَّةِ ـ العُمريَّةِ للكائِنِ الناتِجِ، بَشَريًّا كان أم غيرَ بَشَريٍّ.

وكُلُّ وِلادَةٍ بَعثٌ وتَجَدُّدٌ لِلْحَياةِ، الَّتي هِيَ الحَيَوِيَّةُ الكَينونِيَّةُ وُجودًا نامِيًا مُستَدامًا، أقَلَّهُ حتّى يَقِفَ الزَّمَنُ.

التَّوالُدُ، والوِلادَةُ، والبَعثُ، والتَّجَدُّدُ، والزَّمَنُ؛ كُلُّها مُصطَلَحاتٌ لُغَوِيَّةٌ ألبَسَها الفِعلُ الحَضاريُّ الإنسانيُّ ثَوبَ اللُّغَةِ، لِيُخاطِبَ فيها دَيمومَتَهُ في الأحداثِ والوَقائِعِ، وسائِرِ التَّجَلِّياتِ النّاتِجَةِ مِن فِعلٍ في هذا الوُجودِ.

إلّا أنَّ لِلنَّفسِ البَشَريَّةِ، في أَنسَنَتِها، مَنظومَةً مِنَ التَّأثُّراتِ والمُيولِ، كانَ ويكونُ لها الفِعلُ والأثَرُ في تَكوينِ بُنيَةِ العَلاقةِ الإنسانيَّةِ بأحداثِ الوُجودِ، بَعضِها ببَعضٍ، وبَعضِها بما لَيسَ مَحدودًا ولا مَعلومًا حَتمًا.

ولَعَلَّ لِخاصِّيَّةِ المَلَكَةِ في الكائِناتِ صِلَةً في الأهمِّيَّةِ عَبرَ سُلَّمِ التَّمايُزِ الثَّقافيِّ، الَّذي تَبلُغُ المَلَكَةُ في أَدراجِهِ ذُروَةَ عُلُوِّها، مع ما حَقَّقَهُ الكائِنُ البَشَريُّ مِن فَضيلَةِ الأَنسَةِ.

فها هُوَ البَشَرِيُّ يُولَدُ لِأَبَوَينِ، يَحمِلُ اسمَيهِما ونَسَبَهُما، ويَمضي الثُّلُثَ الأوَّلَ مِن عُمرِهِ في كَنَفِ إرادَتِهِما، ويُعطى كُلَّ ما يَجعَلُهُ قُوَّةً ناشِئَةً استِعدادًا لِخَوضِ مُعتَرَكِ الحَياةِ.

ثُمَّ يُكمِلُ عُمرَهُ بِثُلُثَينِ آخَرَينِ صِراعًا لِلبَقاءِ وتَركِ الأثَرِ نَفسِهِ؛ وهكَذا تَمضي البَشَريَّةُ في دَورَتِها، تُعيدُ إِنتاجَ كائِناتِها رَيثَما يَحينُ مَوعِدُ السّاعَةِ، تِلكَ الَّتي تَوَقَّعَها أو تَخَيَّلَها العَقلُ البَشَريُّ نِهايَةً لهذا الوُجودِ وبِدايَةً لِوُجودٍ آخَرَ أَرادَهُ سَرمَدِيًّا، راضِيًا فيه، مُفَضَّلًا إيّاهُ على أيِّ تَصَوُّرٍ أو خَيالٍ أو عِلمٍ آخَرَ في الوُجودِ الماثِلِ.

وعَلَيهِ، يَكونُ تَوالُدُنا ووِلادَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنّا أرقامًا لا يُساوي مَجموعُها إلّا الرَّقمَ الحاصِلَ كَناتِجٍ عَدَدِيٍّ، باستِثناءِ قِلَّةٍ مِنَ الَّذينَ خَصَّهُمُ الوُجودُ بِمَواهِبَ وعَطايا خاصَّةٍ جَعَلَت تَمايُزَهُم قَدَرًا ومَلَكَةً وهِبَةً، تُكَرِّسُهُم نُوابِغَ وعُظَماءَ ونُخبَةً، مِن خِلالِ نِتاجٍ في الإبداعِ والابتِكارِ والخَلقِ الإنسانيِّ.

وقد سَجَّلَ التّاريخُ أسماءَ أغلَبِ تِلكَ القِلَّةِ عَبرَ شَواهِدِهِ، وخَلَّدَ في صَفَحاتِهِ أسماءَهُم الَّتي استَطَعنا كَشفَ أبجَدِيّاتِها وفَكَّ رُموزِها بما أُوتينا مِن مَعرِفَةٍ. وخُصَّت سُوريّةُ بأنَّها أُمَّةٌ وَلودٌ لِلنُّوابِغِ والعُظَماءِ مُنذُ أنِ ابتدأَ التَّدوينُ يَسرُدُ حَكايا التّاريخِ مُسَجِّلًا سِيَرَ الحَياةِ.

وتمخَّضَ الوُجودُ في عَصرِنا الحَديثِ، فأنجَبَ لِلحَياةِ، بِسُنَّةِ التَّوالُدِ وفِعلِ الوِلادَةِ، نابِغَةً عَظيمًا؛ كانَت وِلادَتُهُ عَلامَةً في سِجِلِّ سِيرَتِنا السُّوريَّةِ، إلّا أنَّها سَتَكونُ حَتمًا لأجيالِنا القادِمَةِ ولِلعالَمِ أجمَعَ أكثَرَ مِن وِلادَةٍ لِبِدايَةٍ عُمريَّةٍ، وأعمَقَ مِن مُفتَرَقِ تَحَوُّلٍ، وأخطَرَ مِن قُوَّةٍ كامِنَةٍ ما إن تُطلَقَ في فَضاءِ التَّحَقُّقِ حتّى تُغَيِّرَ مَجرى التّاريخِ ومَفهومَ الوُجودِ؛
إنَّها وِلادَةُ فَتى الرَّبيعِ، بَعلِ سُوريّةَ الجَديدِ، المُعَلِّمِ الزَّعيمِ النّابِغَةِ العَظيمِ
أنطون خليل سعادة.

ونَحنُ المُؤمِنونَ بِهِ، بما هو تَجسيدٌ لِتَوقِنا إلى الحَياةِ الجَديدَةِ، والمُقتَدونَ فيه قِنديلَ ضَوءٍ نَكشِفُ بِنورِهِ ظُلمَةَ الدُّروبِ، والمُنتمونَ إلى نَهضَتِهِ تَعبيرًا عن حَقِّنا في الحَياةِ؛

نأتي آذارَ في دَورَتِهِ الزَّمَنِيَّةِ لِنَنهَلَ مِن مَعينِ الوِلادَةِ زادًا مِن نورِ البَعثِ، لِنَتَجَدَّدَ حَيويَّةً، ونُزهِرَ في الحَياةِ نَواةَ حَياةٍ مُتَجَدِّدَةٍ.

فيا فَتى الآذارِ، أقبِلْ فَجرًا، وأطِلْ شُعاعًا مِن نورٍ؛ لَم يُحمَلْ في رَحِمِ عِشتارَ قَدْرَ ما حَمَلَ النّورَ في عُقولٍ مُستَنيرَةٍ، ولَم يَسمُ عَيدًا في وِلادَةٍ قَدرَ ما سَما عِزًّا في الأنفُسِ، ولَم يَكُنْ في الآذارِ أوَّلُ يَومٍ بِقَدرِ ما كانَ في الوُجودِ أجمَلَ دَهرٍ.
فيا أيُّها الرَّبيعُ، خُذنا إلى فَتاكَ سَلامَ حَياةٍ، وشَوقَ أَحِبَّةٍ، وعَهدَ الصّادِقينَ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى