كتاب الزميل علي ضاحي «سيرة قائد شجاع.. محمد عفيف (روح السيد)».. توثيق المسيرة بمصداقيّة وشهادات حيّة لقائد إعلاميّ حاضر رغم الغياب
عبير حمدان - البناء

توثيق مسيرة وسيرة قائد إعلامي ليس بالأمر السهل، رغم توفر المعلومات والمواقف، وذلك لأن الكتابة تتطلب مسؤولية متجردة من منطق الرابط العاطفي والسعي للإضاءة على المواقف المفصلية في هذه السيرة من ألفها إلى يائها وحتى أثرها ما بعد الاستشهاد.
وقد اختار الزميل علي ضاحي توثيق سيرة ومسيرة الحاج محمد عفيف “الطيّب والآدمي”، كما وصفه في سياق مقدمته لكتابه لقناعته بأن النص الذي يختصر تاريخاً نعاصره ونعيش تفاصيله ومواقفه المشرفة يجب أن يبقى مادة للأجيال لتعرف تاريخها كما هو دون تحريف.
الحاج محمد عفيف صوت المقاومة الواثق الذي واكب بداياتها بل كان من أبرز المؤسسين لها، هو الذي اقتنع بأن الإعلام جزء من معركة التصدي في الصراع القائم مع العدو ومَن يقف خلفه، ولم يكن الشهيد مجرد مسؤول إعلامي إنما كان القائد المتفاني صاحب الرؤية العميقة وكان يتقن الإصغاء ونسج العلاقات حتى مع مَن يخالفه في النهج والرأي وفي ذلك الأداء ميزة استثنائية لا يملكها الكثيرون.
كان الحاج محمد من أبرز المساهمين في البنية الإعلامية للمحور المقاوم من خلال إدارته لقناة المنار وعمله على تطوير الخطاب فيها، وانسحب حضوره في مختلف المحطات المفصلية من مسيرة المقاومة منذ ثمانينيات القرن مواكباً لكل العمليات النوعية في فترة وجود الاحتلال وخلال مرحلة التحرير وبعدها، وكانت بصمته بارزة في المناسبات والاحتفالات وجميعنا شهدنا إقدامه خلال الحرب الأخيرة ورفضه أي تدابير حماية خاصة وهو الذي لم يقفل هاتفه وبقي على تواصل مع جميع الإعلاميين ليجيب على استفساراتهم ويزودهم بكل ما يمتلكه من معطيات. ولعل أبرز تحدٍ للعدو هو المؤتمرات الصحافية التي كان يعقدها فوق ركام المباني المدمرة للتأكيد على أن هذه الأرض لأبنائها المتجذّرين فيها حتى النصر.
لم يبخل الحاج محمد يوماً بمشاركة خبرته الطويلة مع الأجيال الباحثة عن المعرفة والعلم وقد تجلى ذلك على سبيل المثال لا الحصر بمساهمته في دورة الاستشهادية سناء محيدلي، حيث فتح آفاقاً واسعة للمشاركين في تلك الدورة من خلال محاضرته المكثفة حول حرفية الأداء الاعلامي وتحديد الثوابت والمفاهيم الأساسية التي تصوغ الخبر والمقال على قاعدة المصداقية والالتزام بالحقيقة بعيداً عن الاستعراض والتضليل.
كل ما تقدم تناوله الزميل علي ضاحي في كتابه من خلال شهادات شخصيات سياسية وحزبية وإعلامية عرفت الاعلامي الشهيد، دون أن يغفل عن تضمين الكتاب الجانب العائلي، حيث يبدأ ضاحي كتابه بعرض شامل لذكريات قريبة عن قائد إعلامي مدني اختار المواجهة فكان صوت المقاومة الصادح حيث نزل إلى الميدان غير آبه بالتهديدات والتحذيرات وكان يجيب زملاء له ومحبين حين يقولون له إنهم يخافون عليه من موت يحوم حوله ومعالم شهادة ترتسم على جبينه، يجيبهم بالقول “بعين الله.. لا يمكن للناطق باسم المقاومة إلا أن يكون أمام المقاومين والإعلاميين وفي الصفوف الأمامية”.
مواقف كثيرة ضمّنها الكاتب إصداره، فلم يكتفِ بالجانب الاعلامي للشهيد إنما تحدث عن نشأته ومراحل الصبا والشباب والدراسة وانطلاقة العمل المقاوم إلى مرحلة تأسيس حزب الله والعمل في قناة المنار ثم العلاقات الإعلامية التي كانت خلية إيجابية للتواصل بين أهل المهنة من مختلف الانتماءات بمصداقية وشفافية وصولاً إلى الاستشهاد.
إلى جانب ذلك أتى تقديم الوزير السابق وديع الخازن للكتاب وثيقة سرديّة حول شخصية “الإعلامي المخلص” الذي لم يكن مجرد مسؤول إعلامي إنما كان قائداً متفانياً في خدمة قضيته، صادقاً في انتمائه، شجاعاً في مواقفه، وعميقاً في رؤيته.
بالنسبة للقائد فإن الإعلام ساحة مواجهة ومحتم عليه أن يكون في صف الحق كي يدافع عن القضايا العادلة ولعل ثبات الموقف أساس لبقاء الإرث الذي تركه حياً على طريق المقاومة.
الفصل الأول: النشأة والمحيط العائلي
يتناول الزميل علي ضاحي في الفصل الأول النشأة والمحيط العائلي والعلاقة مع السيد حسن نصرالله التي تمتد لسنوات طويلة تعود إلى ما قبل تأسيس حزب الله، وحين شغل منصب مدير الأخبار والبرامج السياسية في قناة المنار شكّل رأس حربة النضال في قضية حظر القناة على الأقمار الاصطناعيّة وكان دوره بارزاً في هذا المجال.
حتى خلال عدوان تموز 2006 بقي في القناة مديراً لغرفة الأخبار التي كانت أشبه بغرفة عمليات ولم يخش الاستهداف لالتزامه بالواجب الإعلامي الملقى على عاتقه، وفي العام 2014 كُلِف بمسؤولية وحدة العلاقات الإعلامية إلى أن بدأ العدوان على لبنان وحتى عندما غابت قيادة الحزب عن السمع بقي حاضراً ومواكباً لكل تفاصيل المعركة الإعلامية والسياسية.
ويضمّ الفصل الأول شهادات لكل من الدكتور صادق النابلسي (شقيق الشهيد) الذي تحدث عن وقع تلقيه لخبر الاستشهاد وكيف وجد نفسه أمام الركام يستمع إلى أناس لا يعرفهم يقولون له “لم يعطِ ظهره أبداً لعدو”.
ويتحدث الشيخ النابلسي أيضاً عن مرحلة الثمانينيات حيث رفض الشهيد مبدأ رفع الخرق البيضاء على أسطح المنازل خشية من العدو بل عمل على إنزالها واستبدلها بالسلاح.
وتتحدّث السيدة ميمنة سعيد (والدة الشهيد) عن نجلها القائد الملتزم بالمقاومة منذ البدايات ودورها التنظيمي فيها وكذلك تؤكد فاطمة النابلسي (شقيقته) أنه كان الأقرب إلى والدهم الشيخ عفيف النابلسي لجهة الهدوء والحكمة.
كذلك يتضمن الفصل الأول شهادة لحسين شقيق الشهيد الذي أكد فيها أن الحاج محمد لم يرغب بالعيش بعد السيد، مستعرضاً في شهادته البدايات التي سبقت تأسيس حزب الله والعمل الإعلامي الأول مروراً بالتحرير الأول والثاني ومشاركته في العمليات العسكرية.
أما نجله هادي فقد أكد على مواصلة المسيرة التي أوصاهم بها. ويتحدّث هادي عن المرحلة التي تلت استشهاد السيد حيث قال له والده “إنه لن يبقى طويلاً بعده”، وكيف كتب الخبر بدمع عينيه وقال له “إنه النص الأكثر صعوبة الذي كتبه في حياته”.
الفصل الثاني: الدراسة الأكاديميّة والثقافة
يتناول الفصل الثاني المرحلة الممتدة من مدينة صور إلى النجف الأشرف، ودراسته الأكاديمية والحوزوية وشغفه بالقراءة والثقافة. وقد تحدّث عبد القدوس الأمين عن هذه العناوين بإسهاب مضيئاً على أبرز صفات الشهيد الذي كان شغوفاً بالقراءة ومحباً للعلم.
كما تحدّث أيضاً الحاج عبدالله دهيني الذي التقاه في النجف وكيف كان يخوض النقاشات الفكرية والعميقة من كبار العلماء ويدلي برأيه بكل شجاعة.
وكانت شهادة أيضاً للإعلامي عبد الحسن دهيني حول طبيعة العلاقة الجامعة مع الشهيد والتي كانت ثقافية وأدبية ولاحقاً مهنية.
الفصل الثالث: تأسيس حزب الله والبيان الأول
في الفصل الثالث تناول الكاتب دور الشهيد في تأسيس حزب الله، وكيف كتب أول بيان حول عملية الاستشهادي أحمد قصير في 11/11/1982 وحمل المخطوط البدائيّ إلى جريدة السفير حيث عرضه على الراحل طلال سلمان وهو الذي صاغ عبارة “بندقيّة المقاومة الإسلامية وحدها هي الرد، وقوافل الشهداء تصنع النصر”.
وضمن الفصل الثالث شهادات لكل من الوزير السابق محمد فنيش والنائب السابق الحاج محمد برجاوي وكذلك النائب السابق عبدلله قصير.
الفصل الرابع: المشاركة الإعلامية الفعالية
يتحدث نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله الوزير السابق محمود قماطي في الفصل الرابع للكتاب عن مشاركة الحاج محمد عفيف الفعالة في المجلس السياسي ولجنتيه الإعلاميّة والطوارئ، مشيراً إلى أنه كان مستشاراً إعلامياً للسيد حسن نصرالله وليس سياسياً.
ويضمّ هذا الفصل أيضاً شهادة لكل من الحاج أبو سعيد محمد الخنسا حول معرفته به وعملهما المشترك في زمن الحرب.
الفصل الخامس: تأسيس العلاقات الإعلامية
يتحدث كل من النائب إبراهيم الموسوي والدكتور يوسف الزين عن دور الحاج محمد عفيف في تأسيس العلاقات الإعلامية في حزب الله وكيفية قيادته لها في أوقات الطوارئ.
ومع رحيله أصبحت المهمة صعبة لكونه ترك أثراً لا يزال يحتاج إلى جهد كبير لمتابعته وصونه.
الفصل السادس: صانع الإعلام المقاوم
يتناول الفصل السادس كيفيّة مساهمة الراحل في تطوير “قناة المنار” وهو الفدائي فيها ويصفه الحاج يوسف وهبي بأنه صانع الإعلام المقاوم وراء الكواليس، وتركيزه على ضرورة الانفتاح لا الانغلاق في التعاطي الإعلامي من خلال تطوير الخطاب تحت سقف الثوابت، وبذلك ساهم في سر نجاح المنار. وما زرعه في سنوات طويلة ظهر أثره بوضوح اليوم.
الفصل السابع: احتضانه للإعلام الوطني
يتناول الفصل السابع كيفيّة احتضان الحاج محمد عفيف للقاء الإعلامي الوطني بعد تأسيسه من قبل مجموعة إعلاميين وحقوقيين وشهادات من المحامية سندريلا مرهج والدكتور قاسم قصير.
الفصل الثامن: العلاقات مع الأحزاب
في الفصل الأخير يضيء ضاحي على العلاقات السياسية والأحزاب، وكيف كان الحاج محمد عفيف ظلاً للسيد ولسانه وفكره من خلال تدخلاته المحببة التي أراد السعي لإرساء التفاهمات والوحدة.
وضمّ الفصل شهادة لرئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الأمين والنائب السابق أسعد حردان والأمين العام للمؤتمر العام للأحزاب العربية قاسم صالح والناشط السياسي حبيب سعد.




