
لا تتوقّف الدولة اللبنانية، منذ إعلان قيامها، عن تكرار الفولكلور نفسه مع أبنائها. وإذا كان المواطنون يأملون في أن تكون كل تجربة أفضل من سابقتها، فإنّ أهل الدولة يعلّم بعضهم بعضاً فنّ توزيع الابتسامات والوعود والكلام المنمّق، من دون أن يحمل أيّ مسؤول خطة تنفيذية يمكن للناس أن يلمسوا فيها بشائر اهتمامٍ حقيقي.
ولهذه الدولة مع أهل الجنوب خصوصاً حكاية طويلة. وإذا كانت دولة ما بعد اتفاق الطائف قد وجدت نفسها معنيّة بتفقّد رعاياها على بعد مئة كيلومتر من العاصمة، فإنّ التوجّه نحو الحدود لم يكن ممكناً لولا التحرير عامَ 2000 الذي صنعته المقاومة، بينما تقدّم الدبلوماسية اليوم الدرس الأكثر وضوحاً، إذ يضطر رئيس الحكومة نواف سلام إلى تنسيق جولته مع قيادة قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب، ومع لجنة «الميكانيزم»، لإقناع العدو بعدم القيام بأي عمل عسكري قبل الزيارة أو خلالها.
ومن دون الرهان على أي شيء مع العدو الذي واصل أمس غاراته على مناطق شمال نهر الليطاني، ينتظر أبناء القرى الجنوبية التي دمّرها العدوان أن يسمعوا جديداً من رئيس الحكومة، بعد نحو عام على تشكيل حكومته التي لم تصرف سوى القليل جداً من جهدها ومالها على هؤلاء المنكوبين.
وتبدأ جولة سلام التي تستمر ليومين في مدينة صور غداً، حيث سيلتقي في مبنى البلدية بنواب المنطقة ورؤساء بلدياتها، ثم يتفقّد مقر قيادة اللواء الخامس في الجيش في البياضة، قبل أن يتوجه الى طيرحرفا ويارين.
وقد تلقّى رئيس بلدية طيرحرفا ياسر عطايا أمس اتصالاً من مكتب رئيس الحكومة لتأكيد زيارته للبلدة قبل ظهر غد وتحديد مكان اللقاء بين سلام وفعّاليات البلدة، فردّ عطايا بأن «البلدة على الأرض حرفياً»، مذكّراً بأن الغارات التي استهدفتها خلال العدوان، وما تلاها من تفجيرات بعد وقف إطلاق النار، لم تُبقِ مبنى بلدياً ولا مدرسة ولا حتى مكاتب مؤسسة «أوجيرو».
وانتهى الاتصال إلى الاتفاق على أن تتمّ الاستضافة عند مثلث طيرحرفا – الجبين، الواقع عند مدخل البلدة حيث يتمركز الجيش اللبناني، مع توجيه دعوة لرئيس الحكومة لتفقّد البلدة التي سُوّيت منازلها الـ 300، ولم يعد إليها أيّ من سكانها بفعل التهديدات الإسرائيلية المتواصلة. وقال عطايا لـ«الأخبار» إنّه تعمّد عدم دعوة الأهالي لاستقبال سلام «بسبب الاعتداءات الإسرائيلية اليومية التي تطاول المنطقة الحدودية»، لافتاً إلى أنّه بادر إلى تجهيز لافتة ستُعلّق عند مدخل طيرحرفا، تُظهِر صورة البلدة قبل العدوان وبعده.
وفي يارين، سيلتقي سلام في المبنى المتصدّع لمدرسة المقاصد رؤساء بلديات قرى الضهيرة والزلوطية والبستان ومروحين. وقال رئيس البلدية عدنان أبو دلة لـ«الأخبار» إن اللقاء سيقتصر على رؤساء البلديات من دون الأهالي «لأنه لا يمكن ضمان أمن المواطنين في ظل الاعتداءات اليومية».
لا يعرف أبناء الجنوب ما الذي يحمله رئيس الحكومة الذي تطلّبت جولته تنسيقاً مُسبقاً مع قوات الاحتلال بواسطة «اليونيفل» و«الميكانيزم»
ومن هناك إلى مدينة بنت جبيل، سيضطر رئيس الحكومة للاستدارة من يارين نزولاً إلى الحنية وزبقين حتى حاريص وتبنين، وتفادي سلوك الخط العام بسبب وجود قوات الاحتلال فوق جبل بلاط الذي يقطع الصلة بين قضاءَي صور وبنت جبيل.
في بنت جبيل، سيلتقي رئيس الحكومة في مقر اتحاد البلديات برؤساء بلديات المنطقة ونوابها قبل أن ينتقل إلى عيترون للقاء رئيس البلدية في مقر البلدية البديل للقصر البلدي الذي دمّره العدوان. وبعدها سيزور في عين إبل ورميش.
اليوم الثاني من جولة سلام، سيبدأ من مركز الجيش اللبناني عند مثلث تل النحاس بين كفركلا وبرج الملوك حيث سيلتقي برئيس بلدية كفركلا من دون أن يدخل إلى البلدة المدمّرة التي تشهد يومياً توغّلات ونسف منازل وملاحقة كل حركة فيها بالقنابل، فضلاً عن احتلال أطرافها الشرقية وصولاً إلى سهل الخيام. ثم يتوجه إلى ثكنة مرجعيون فمبنى السراي حيث يلتقي رؤساء بلديات المنطقة.
بعد ذلك ينتقل إلى كفرشوبا، ثم مقر اتحاد بلديات العرقوب في الهبارية ليلتقي رؤساء بلديات المنطقة. كما سيزور مقر اتحاد بلديات الحاصباني في حاصبيا للاجتماع مع رؤساء بلديات منطقتها. وسيكون ختام نهاية الأسبوع الجنوبي في مدينة النبطية حيث يشارك في افتتاح السوق المجاني المؤقّت لأصحاب المحالّ التجارية المعروف بـ«سوق البيدر» الذي شيّدته لجنة وقف النبطية في ساحة الحسينية.
برغم ازدحام الجولة وتنوّعها جغرافياً وطائفياً، إلا أنها أثارت غضب أهالي البلدات الحدودية المنكوبة التي لم تشملها الجولة من رامية وعيتا الشعب إلى مارون الرأس وميس الجبل وصولاً إلى العديسة. وعلمت «الأخبار» أن بعض الأهالي يتحضّرون لتنفيذ وقفات احتجاجية بالتزامن مع الزيارة.
الوزير الفرنسي
في هذه الأثناء، وصل وزير الخارجية الفرنسي جان – نويل بارو إلى بيروت أمس لعقد لقاءات تركّز على التحضيرات لمؤتمر دعم الجيش اللبناني المُقرّر عقده في باريس في 5 آذار المقبل، والذي تقرّر أن يترأس الرئيس جوزيف عون وفد لبنان إليه، مع الإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وجّه دعوات إلى 50 دولة.
ويحرص خصوم المقاومة على الترويج بأن نجاح هذا المؤتمر يرتبط في شكل مباشر بالمرحلة الثانية من سحب سلاح حزب الله شمال الليطاني، والتي ستتكشّف خطوطها مع الخطة التي سيعرضها قائد الجيش العماد رودولف هيكل على مجلس الوزراء الأسبوع المقبل، ليبقى تنفيذها بين الليطاني ونهر الأولي كمرحلة أولى هو الاختبار الحقيقي.
رسائل دعم وطمأنة من طهران إلى بيروت
بينما انصبّ الاهتمام على نتائج لقاء رئيس الجمهورية جوزيف عون بالنائب محمد رعد أول أمس، برز معطى جديد عشية مفاوضات أميركية – إيرانية مرتقبة، يُفترض أن تتّضح في ضوئها ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة، ويتبيّن معها الخيط الأبيض من الأسود لما سيكون عليه الوضع في المنطقة.
فقد أعلن المتحدث باسم الجيش الإيراني أن بلاده «مستعدة للحرب مع واشنطن، كما للمصالحة»، ولكن «إذا اندلعت الحرب فإن نطاقها سيشمل كل مناطق الجغرافيا الإقليمية من الأراضي المحتلة إلى الخليج وبحر عُمان». وفي الوقت نفسه، وجّه مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي أكبر ولايتي، رسالة إلى الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، معزّياً بوفاة والد السيّد حسن نصر الله، أكّد فيها أنّ «الاستعداد للمواجهة كامل، وأنّ النصر سيكون حليف جبهة المقاومة».
وفي السياق نفسه، لاقت كتلة «الوفاء للمقاومة» هذه الرسائل ببيان شدّدت فيه على أنّ «الحرب، إذا بدأها الأميركيون، لن يكون في وسعهم التحكّم بمسارها أو بمصيرها، لأنها ستتحوّل إلى حرب إقليمية شاملة تطاول المنطقة بأسرها».
وجاءت هذه الرسائل في وقتٍ لم تتوقّف فيه الاتصالات الداخلية والخارجية الهادفة إلى انتزاع التزام من حزب الله بعدم الانخراط في أي حرب محتملة في حال اندلاعها.
وفي المقابل، وضعت أوساط سياسية المواقف الإيرانية في إطار «تطمين الحزب لما قد يتعرّض إليه في المرحلة المقبلة من ضغوط»، مع عودة قائد الجيش العماد رودولف هيكل من واشنطن، وما سيحمله معه من مؤشّرات ومواقف أميركية، ولا سيما تلك المرتبطة بالتحرّك الذي يعتزم الجيش إطلاقه تنفيذاً لخطة شمال الليطاني. وهو تحرّك يطاول مختلف المعنيّين، وفي مقدّمهم حزب الله، نظراً لحساسيته ودقّته وخطورته. وقد شكّل هذا الملف محور نقاش بين رئيس الجمهورية ورعد، وجرى الاتفاق على التنسيق بينهما، مع تأكيد الحزب وضع سقف واضح يؤكّد على عدم المضي في تقديم التنازلات للعدو الصهيوني.
توصية لحكومة العدو: القوة سبيلكم في لبنان
نشر «معهد القدس للاستراتيجية والأمن» في كيان العدو، تقريراً دعا فيه إلى «استغلال الظرف السياسي والعسكري الحالي في لبنان، لاستكمال إضعاف حزب الله أو نزع سلاحه، سواء عبر المسار السياسي أو من خلال عملية عسكرية واسعة».
وأشار التقرير إلى أن وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، «تمّ بضغط أميركي، أدخل الصراع مرحلة جديدة، لكنها بقيت هشة، إذ إن حزب الله واصل إعادة بناء قدراته، فيما نفّذت إسرائيل مئات الضربات لمنع إعادة التسلّح».
وزعم أن حزب الله «خسر نحو 40 في المئة من قوته خلال الحرب، لكنه لا يزال يحتفظ بقدرات صاروخية كبيرة، ما يطرح احتمال لجوء إسرائيل إلى عمل عسكري أوسع في حال فشل المسار السياسي».
وخلُص إلى أن إسرائيل، «انتقلت من سياسة الاحتواء إلى الفرض بالقوة»، معتبراً أن «الضغط الأميركي على الحكومة اللبنانية يتيح لإسرائيل هامش حركة أوسع». ورأى التقرير أن كيفية تعامل إسرائيل مع الساحة اللبنانية ستؤثّر في مجمل التوازنات الإقليمية، مشيراً إلى أن مسألة التوقيت والتنسيق مع الولايات المتحدة تبقى عاملاً حاسماً في أي قرار تصعيدي مقبل.




