اقتصاد

الهيئات الإقتصادية اللبنانية.. بين التواطؤ والعار

المصدر: فرح زيادة - أجواء برس

بتاريخ ٢٥ تشرين الثاني / نوفمبر الفائت (٢٠٢٥)، وللمرة الأولى في تاريخ التحقيقات التي يجريها ديوان المحاسبة في لبنان، صدر قرار قضائي يُدين وزراء سابقين للإتصالات بهدر واستباحة وسوء إدارة أموال عامة من واردات القطاع العام للاتصالات الخليوية. وقضى هذا القرار بمعاقبتهم وتغرّيمهم على ذلك. إذ أصدرت الغرفة الثانية في ديوان المحاسبة اللبناني برئاسة القاضي عبد الرضى ناصر وعضوية القاضيين محمد الحاج وجوزيف كسرواني قراراً أدان خمسة وزراء اتصالات سابقين بهدر أموال عامة وتبييض أموال وإخفاء منافع غير مشروعة، في قضية مبنيَي قصابيان في الشياح و«تاتش» في الباشورة.

وكان التحقيق في ملف الفساد العمومي المذكور قد بدأ في عام ٢٠٢٢، لتصدر الغرفة تقريرها الأول في ٢٨ آذار / مارس ٢٠٢٣، والذي أثبتت فيه ارتكاب مخالفات جسيمة وتجاوزات مالية من قبل وزراء الاتصالات المتعاقبين: نقولا الصحناوي، بطرس حرب، جمال الجراح، محمد شقير، طلال الحواط وجوني القرم، تتعلق بصفقات استئجار شركة «تاتش» لمبنى قصابيان في الشياح ودفع مبالغ مالية مبالغ فيها من المال العام تتعدى ١٠ ملايين دولار أمريكي سنوياً بدل إيجار لعدد من السنوات، من دون إشغاله بتاتاً.

وقد ابلغت في حينه الغرفة المذكورة في ديوان المحاسبة قرارها الاولي للوزراء أصحاب العلاقة وفق الأصول القانونية المرعية الإجراء، وأعطتهم المهل القانونية لإبداء دفوعهم وتقديم لوائحهم الدفاعية والإستماع لإفاداتهم وشروحاتهم، عملاً بمبدأ “حق الدفاع المقدس”.

وقد قضى قرار ديوان المحاسبة المذكور بثبوت المخالفات المالية والجرم المنسوب لوزير الاتصالات السابق المتهم السيد محمد شقير وإدانته، ومعاقبته، وتغريمه بعقوبة قيمتها ١١،٥ مليون دولار أمريكي بموجب سند تحصيل رسمي يصدر عن الجهات المختصة في الدولة اللبنانية.

السيد محمد شقير هو، في ذات الوقت، رجل أعمال لبناني من العاصمة بيروت، وهو الرئيس المنتخب للهيئات الإقتصادية في لبنان، وهو رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان، وهو رئيس لعدة مجالس مشتركة بين لبنان ودول عربية مختلفة لرجال أعمال لبنانيين وعرب.

لا شركات القطاع الخاص اللبناني الأعضاء في غرفة التجارة والصناعة والزراعة في ببروت وجبل لبنان،
ولا رجال الأعمال اللبنانيين، أعضاء الهيئات الإقتصادية في لبنان،
ولا أعضاء المجالس المشتركة لرجال الأعمال اللبنانيين والعرب،
كلهم، دون استثناء، ما وجدوا ان هناك ضرورة قانونية ملزمة وواجب أخلاقي حاسم، تجاه لبنان وشعبه واقتصاده، وتجاه الأخوة العرب من الفعاليات الاقتصادية والحكومية في بلدانهم، يقضي بإيقافٍ فوريٍ لعضوية السيد محمد شقير ورئاسته بعد صدور قرار نهائي من ديوان المحاسبة اللبناني بالحكم عليه في قضية فساد في إدارة مرفق عام وأموال عمومية. ولم يجدوا ان هذه الإدانة هي، قبل ان تكون إدانة قانونية، هي إدانة أخلاقية تشكل عبئاً على أعمالهم ونشاطاتهم، وإضراراً بالغاً بمصداقيتهم.

بل على العكس من ذلك تماما، فقد ارتأت الهيئات الإقتصادية في لبنان، وغرفة التجارة والصناعة والزراعة، ان تلتقي بالأمس (الجمعة ١٩ كانون الأول/ ديسمبر ٢٠٢٥) برئيس حكومة دولة مصر العربية (أكبر دولة عربية) الدكتور مصطفى مدبولي للنقاش معه في آليات تزخيم الاقتصاد اللبناني ودعمه، في مقر غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت، بحضور أعيان الاقتصاد اللبناني، وبحضور وزير الصناعة اللبناني شخصياً السيد جو عيسى الخوري، و برئاسة …. وبرئاسة … السيد محمد شقير ذاته. ذات الشخص الذي أدانه ديوان المحاسبة بعد التحقيق معه وبعد إعطائه كل وسائل الدفاع عن نفسه طيلة ٣ سنوات متتالية.

اي صورة تريد الهيئات الإقتصادية في لبنان إعطاءها عن نفسها للضيف المصري الكبير،

وأي إشارة إحترام وتقدير وجدية تريد الهيئات الإقتصادية اللبنانية إرسالها للضيف المصري الكبير الذي كَلَّفَ نفسه عناء القدوم إلى لبنان خصيصاً للإجتماع بهم بنية مساعدة الاقتصاد اللبناني ؟

واستطراداً، ما هي الصورة التي تملكها الهيئات الإقتصادية اللبنانية عن نفسها ؟

يا إخوان، إذا بليتم بالمعاصي فاستتروا.

إن ما جرى من موقف الهيئات الاقتصادية وأعضاء غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان ليس مجرّد خطأ في التقدير، بل سقوط مدوٍّ في ميزان الأخلاق العامة والوطنية. فحين يُدان أحد أبرز رموزها بقرار نهائي صادر عن ديوان المحاسبة في قضايا فساد تتعلّق بالمال العام، ثم يُستقبل في اليوم التالي بصفته “رئيساً” في اجتماعات رسمية مع وفود دولية، تكون الرسالة واضحة: لا خجل، لا مسؤولية، ولا احترام لدولة القانون.

أي نموذج هذا الذي تقدّمه النخب الاقتصادية اللبنانية حين تشرّع الفساد وتكافئ المذنب بدل إقصائه ؟

وهل يُنتظر من بلدٍ غارق في الانهيار أن ينهض على أكتاف من نهبوه ؟

إن استمرار هذه المهزلة ليس مجرد تجاوز إداري، بل إهانة مباشرة للشعب، وفضيحة تُسجَّل على جبين الطبقة التي تدّعي تمثيل الاقتصاد الوطني.

إنّ تجاهل الهيئات الاقتصادية اللبنانية لقرار ديوان المحاسبة، الذي أدان الوزير السابق محمد شقير بعقوبة مالية جسيمة في قضايا تتعلّق بإدارة المال العام، يشكّل خرقًا صارخًا لمبدأ المساءلة وتعارضًا فاضحًا مع موجبات الشفافية والحوكمة الرشيدة.

كيف يمكن لمؤسسات يُفترض أن تمثّل عماد الاقتصاد الوطني أن تستمر برئيس أُدين في ملف فساد إداري ومالي ؟

إنّ استمرار السيد شقير في ممارسة رئاسته لتلك الهيئات بعد صدور حكم قضائي نهائي بحقه، يُعدّ استخفافًا بقرارات القضاء واستفزازًا للرأي العام وضربًا لقيم المؤسسات.

لا يمكن لأيّ إصلاح اقتصادي أن يقوم على تحالف المصالح والسكوت المتبادل عن الفساد، بل على احترام القانون وإقصاء من خالفه، مهما علا مركزه أو تعدّدت صفاته.

إن ما حدث ليس مجرد فضيحة، بل إعلان صريح عن انحلال المعايير وسقوط الهيئات الاقتصادية في مستنقع التواطؤ.

أي جرأة هذه حين يُستقبل شخص أُدين بقرار ديوان المحاسبة بتهم فساد وهو ما زال يتصدر المنابر بصفة “رئيس”؟

كيف يجرؤ من يعتبر نفسه نخبة الاقتصاد اللبناني على إنكار أبسط الواجبات الأخلاقية تجاه وطن يحتضر؟

إن مشهد لقاء الهيئات الاقتصادية برئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي برئاسة المدان نفسه، لا يعبّر إلا عن استخفاف بكل لبناني شريف وبكل مفهوم للمسؤولية العامة.

إن هذا المشهد يكشف أن الطبقة الاقتصادية، مثل السياسية، باتت تعتبر الفساد شرفاً والمحاسبة جريمة.
فليُقال بوضوح: هذه ليست هيئات اقتصادية، بل هيئات لتبييض السمعة وحماية المتورطين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى