
نظرياً، يوحي المناخ العام بأنّ ثمّة توجّهاً جدّياً تقوده الدول الصديقة للبنان نحو خلق حال من الهدوء، معاكِساً للمناخ التصعيدي الذي يشحن الأجواء اللبنانية بتهديدات وتهويلات وسيناريوهات حربية. إلّا أنّ ترجمته العملية، تبقى رهناً باستجابة إسرائيل لهذا التوجّه ومتطلّبات ترسيخ الأمن والإستقرار، بوقف اعتداءاتها المتواصلة وتهديداتها التي تُبقي فتيل التصعيد مشتعلاً، وتُبقي لبنان في دائرة الإحتمالات المجهولة.
سياسياً، تجاوز الداخل اللبناني «زوبعة النصاب» التي أُثيرت حول انعقاد الجلسة التشريعية أمس الأول، من دون أن تترك أي ارتدادات سياسية أو غير سياسية، ما خلا انفعال واضح عبّر عنه حزب «القوات اللبنانية»، الذي تموضع بالأمس خلف متراس التصويب والهجوم على الرؤساء الثلاثة واتهامهم بالتواطؤ. فيما لفت إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري بأنّ «انعقاد جلسة مجلس النّواب بالأمس، سمح لقوانين مهمّة جداً بأن تبصر النّور، وأنّ هذه كانت أكثر من ضرورية». لافتاً، من جهة ثانية، إلى أنّ رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي لم يحمل تحذيرات، ومشيراً إلى أنّ «مصر تلعب دوراً إيجابياً لتجنيب لبنان أي تصعيد».
وإذا كانت الأولوية الراهنة لكل المستويات الرسمية والأمنية، هي تمرير فترة عيدَي الميلاد ورأس السنة بالقدر الأعلى من الأمن والاستقرار، والتحضّر لمقاربة ما هو من الملفات الضاغطة التي رُحِّلت إلى السنة الجديدة، فإنّ الأولوية الأساسية التي تضغط على كل مستويات الدولة، تتجلّى في كيفية تلمّس أبواب الإنفراج والخروج من الأزمة بكل تشعّباتها، وخصوصاً ما يتصل باستمرار الإعتداءات الإسرائيلية وما تراكمه من آثار تدميرية ومخاوف من تصاعدها. وضمن هذا السياق، تندرج الإتصالات التي تجريها المراجع الرسمية مع الدول، وما يرافقها من تأكيدات على جدّية فتح المسار السياسي بصورة فاعلة وضرورة الوصول سريعاً إلى تفاهمات، وأيضاً اجتماع باريس قبل يومَين، وكذلك الحضور المصري الذي تكثف في الآونة الأخيرة، وأيضاً اجتماع لجنة «الميكانيزم» يوم أمس في الناقورة.
المشترك في كل هذه الحراكات، كما تكشف مصادر رسمية لـ«الجمهورية»، هو استبعاد احتمال الحرب والتصعيد، لافتةً إلى «أنّ الأجواء مشجّعة، وما في كواليس الإتصالات والحراكات، يبعث على التفاؤل في إمكان تحقيق اختراقات إيجابية يؤمل أن تبدأ بالظهور في المدى المنظور، وخصوصاً أنّ ثمة تفهّماً دولياً أكيداً للموقف اللبناني، ولاسيّما في كيفية تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، وإجماعاً في الوقت عينه على ضرورة وقف الإعتداءات الإسرائيلية والإلتزام الكلّي باتفاق وقف الأعمال الحربية، وتمكين الجيش اللبناني من القيام بمهامه من دون أي معوّقات أو تعقيدات، وما صدر عن اجتماع باريس لناحية الاتفاق على عقد مؤتمر لدعم الجيش اللبناني يصبّ في هذا المنحى».
واللافت في كلام المصادر، مقاربتها اجتماع لجنة «الميكانيزم» بأنّه «محطة مهمّة جداً، إنْ لناحية النقاش الجدّي والعميق الجاري فيها، أو من خلال ما بدا أنّه دفع جدّي من قِبل رعاة اللجنة، للتأسيس لبلوغ الهدف الذي رسمته لنفسها، أي الوصول إلى وضع هادئ يسوده الأمن المستدام لكلّ الأطراف، وضمن فترة زمنية عاجلة». وتنسب المصادر عينها إلى مسؤولين كبار، تلقّيهم تأكيدات، ليس فقط من «الميكانيزم» ورعاتها، بل من أكثر من مصدر دولي، بأنّ «المسار الذي تنتهجه لجنة «الميكانيزم» بعد إشراك مدنيِّين فيها، سيفضي بالتأكيد إلى خطوات ايجابيّة في المدى القريب».
على أنّ اللافت للإنتباه بالأمس، أنّ اجتماع «الميكانيزم»، عُقِدَ في أجواء هادئة، خلافاً للإجتماعات السابقة التي كانت تزامنها إسرائيل بتصعيد واعتداءات مكثفة. وهو الأمر الذي رجّحت مصادر متابعة أن يكون نتيجة لضغط مباشر من رعاة اللجنة.
وحول هذا الأمر، أوضح مرجع سياسي «الجمهورية»: «لا علم لي بأي ضغوط أو اتصالات، لكن بمعزل عن كل شيء، اللجنة «إذا بدّها تشتغل فيها تشتغل وما تسأل عن حدا، وكل الناس بتتجاوب معها. وما حدا بيقدر يمنعها. لكن من وقت الذي تشكّلت فيه وهي تشتغل ضدّ لبنان وتتغاضى عمّا تقوم به إسرائيل من خروقات واعتداءات واغتيالات. ورداً على سؤالك، إذا كان هناك ضغط أو ما شاكل ذلك، فهذا أمر جيد، وإن شاء الله تكون «الميكانيزم» بلشت تشتغل عن جدّ».
وعمّا يقال عن خطوات وإيجابيات محتملة من اللجنة، أكّد المرجع: «ما تقول فول ليصير بالمكيول».
وحول الكلام الإسرائيلي عن مناقشة اللجنة موضوع الشراكة الاقتصادية بين لبنان وإسرائيل، أوضح: «أولاً التفاوض غير مباشر، وثانياً، على حدّ علمي، أنّ مهمّة الوفد اللبناني محصورة في البحث في تحقيق الثوابت اللبنانية، ولاسيما وقف الإعتداءات والإنسحاب من الأراضي اللبنانية وإطلاق الأسرى اللبنانيِّين، ولا شيء آخر غير ذلك».
بيان السفارة
وكانت السفارة الأميركية في بيروت قد أصدرت بياناً لخّصت فيه مجريات اجتماع «الميكانيزم»، أشارت فيه إلى «أنّ أعضاء اللجنة التقنية العسكرية للبنان (الميكانيزم) عقدوا اجتماعهم الخامس عشر في الناقورة في التاسع عشر من كانون الأول، لمواصلة الجهود المنسّقة دعماً للإستقرار والتوصّل إلى وقف دائم للأعمال العدائية».
وأضافت السفارة: «إنّ المشاركين العسكريِّين قدّموا آخر المستجدات العملياتية، وركّزوا على تعزيز التعاون العسكري بين الجانبَين من خلال إيجاد سبل لزيادة التنسيق. وأجمع المشاركون على أنّ تعزيز قدرات الجيش اللبناني، الضامن للأمن في قطاع جنوب الليطاني، أمر أساسي للنجاح. وفي موازاة ذلك، ركّز المشاركون المدنيّون على تهيئة الظروف للعودة الآمنة للسكان إلى منازلهم، دفع جهود إعادة الإعمار، ومعالجة الأولويات الاقتصادية. وأكّدوا أنّ التقدّم السياسي والإقتصادي المستدام ضروري لتعزيز المكاسب الأمنية وترسيخ سلام دائم».
ولفتت إلى «أنّ المشاركين أكّدوا مجدّداً أنّ التقدّم في المسارَين الأمني والسياسي يظل متكاملاً ويُعدّ أمراً ضرورياً لضمان الإستقرار والإزدهار على المدى الطويل للطرفَين، وهم يتطلّعون إلى الجولة القادمة من الاجتماعات الدورية المقرّرة في العام 2026».




