اغتيال الذاكرة عند الروشة.. حين كسرت الدولة هيبتها أمام هيبة سيد شهداء الأمة
د. هشام الأعور

في بيروت، لم يكن المشهد عند صخرة الروشة مجرّد حشد جماهيري لإحياء ذكرى رجلين ارتقيا إلى مصاف الرموز. ما جرى كان إعلاناً يتجاوز حدود المناسبة، إعلاناً عن أن الذاكرة أقوى من المنع، وأن الوفاء لا يُخضعه قرار إداري ولا يقيده تعسف سلطة. ليست الاغتيالات دائماً رصاصة أو عبوة؛ أحياناً تأتي في صورة أشد برودة، لكنها أكثر خطراً: محاولة قتل الذاكرة. حين سعت جهات رسمية إلى منع الناس من التجمع، بدا الأمر وكأنه امتداد للرصاصة الأولى التي أرادت في وقت مضى إسكات صوت السيد حسن نصرالله ورفيقه السيد هاشم صفيّ الدين. وإذا كانت الاغتيالات الجسدية قد فشلت، فإن محاولات طمس الذكرى لم تكن لتنجح في قلب مدينة تصنع وجدانها من الألم وتحوّله إلى صمود.
الجماهير خرجت كما يفيض البحر، بلا إذن ولا انتظار، لتؤكد أن القادة الذين عاشوا حياتهم فداءً لأمتهم لا يرحلون من القلوب، وأن الأرواح التي تماهت مع وجدان الملايين تبقى حاضرة مهما تغيّرت الظروف. ما كتبه الناس في ذلك اليوم لم يكن بياناً سياسياً بقدر ما كان شهادة وجدانية، تعبيراً عن عهد متجدد لا تفرضه الخطابات بقدر ما تفرضه القلوب. لقد فهم خصوم المقاومة أنّ ما يربكهم أكثر من أي سلاح هو هذا النبض الشعبي، هذه الذاكرة التي لا تُقصف ولا تُعتقل.
ومع ذلك، فإن للحدث أبعاده السياسية العميقة. فما جرى لم يكن مجرد خلاف على إقامة مهرجان، بل جزء من محاولة أشمل لضرب مصادر القوة المعنوية للمقاومة بعد الفشل في مواجهتها عسكرياً. المعركة لم تعد محصورة في الجبهات، بل امتدت إلى الوعي والهوية والذاكرة. لذلك فإن منع الذكرى لم يكن سوى محاولة مكشوفة لاغتيال الشرعية الشعبية التي تستند إليها المقاومة. لكن الحشد في الروشة جاء أشبه باستفتاء علني: الناس أوفياء لخيارهم، متمسكون بقادتهم، غير قابلين للبيع أو المقايضة.
على المستوى الإقليمي، كان المشهد رسالة أبعد من حدود لبنان. فقد أظهر أن رهان البعض على تآكل فكرة المقاومة بمرور الزمن ليس سوى وهم. في بيروت، المدينة التي حاولوا تصويرها منقسمة وممزقة، ارتفع الصوت موحداً حول رجلين تحوّلا إلى أيقونة إسلامية وعربية. الرسالة كانت صريحة: فلسطين والقدس ليستا غريبتين عن هذا الشعب، وأي محاولة لعزل لبنان عن قضيته المركزية محكومة بالفشل.
أما داخلياً، فقد عكس المشهد مأزق خصوم المقاومة. إذ بدل أن يقدّموا مشروعاً وطنياً جامعاً، لجأوا إلى استهداف الرموز، وكأنهم يراهنون على مسرح الذاكرة لتعويض عجزهم في الميدان السياسي. لكن المفارقة أن هذا الاستهداف لم يؤدِّ سوى إلى مضاعفة الالتفاف الشعبي، وتكريس قناعة بأن الشرعية الحقيقية لا تُصنع خلف المكاتب بل في ميادين الناس.
ومن هنا، يبرز السؤال عن دور الدولة ومسؤوليتها. لم يكن المطلوب من رئيس الحكومة نواف سلام إلا أن يرتقي إلى مستوى هيبة رجل كالسيد حسن نصرالله، رجل حمل مشروعاً غيّر وجه لبنان والمنطقة، لا أن ينحدر إلى قرار يقمع الوفاء ويكسر هيبة الدولة نفسها عند أمواج صخرة الروشة. كان الأجدر به أن يحوّل المناسبة إلى لحظة تُظهر أن الدولة قادرة على استيعاب الذاكرة الشعبية لا قمعها، وأنها قوية بما يكفي لتحتضن مشاعر الناس لا لتصطدم بها. لكن ما حصل كشف العكس، إذ بدا وكأن الدولة اختارت أن تواجه الناس بدل أن تحميهم، وأن تكسر هيبتها بيدها بدل أن تصونها.
صخرة الروشة لم تعد مجرد معلم طبيعي في بيروت. تحوّلت إلى مرآة عكست صلابة الذاكرة اللبنانية، وإلى شاهد على أن الروح لا تُغتال مرتين. انتصر الذكر على الموت، وانتصر الوفاء على النسيان، وانتصر الوجدان الشعبي على محاولات الاغتيال الثانية. وإذا كان الله قد أعزّ الرجلين في حياتهما بالنصر، فقد أعزهما بعد الرحيل بالحب العارم والوفاء الصادق، حتى بدا الحشد نفسه جواباً إلهياً على كل محاولة إخماد: إن نور الله لا يطفئه قرار، ولا تحدّه سلطة، ولا يزول.




