المجلس العدلي وشبهة التسييس: هل إحالة ملف “ضهر البيدر” خيار قانوني أم قفزة في المجهول؟
بقلم: د.هشام الأعور

تتجه الأنظار مجدداً نحو السلطة التنفيذية في لبنان مع اندفاع القوى السياسية المطالبة بإحالة ملف متفجرات “ضهر البيدر” إلى المجلس العدلي، تحت شعار “ضمان الشفافية وإضفاء الجدية على الملاحقة القضائية”. ورغم أن الترويج لهذه الخطوة يستند إلى نصوص المادتين 355 و356 من قانون أصول المحاكمات الجزائية باعتبارها الوسيلة الأنجع لتوحيد التحقيق تحت يد محقق عدلي واحد يُعين بقرار من وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى، إلا أن التدقيق القانوني في الواقعة يحمل قراءة مغايرة تماماً تضع صوابية هذه الإحالة على محك المساءلة.
تضخيم الشكل على حساب المضمون: غياب الجرم القانوني المكتمل
تتأسس خطورة المسار القانوني المطروح في كونه يتجاوز القاعدة الجوهرية في القانون الجزائي: “لا ملاحقة بلا جرم مكتمل الأركان”. فالذهاب الاستباقي نحو إحالة الملف إلى المجلس العدلي—وهو المحكمة الاستثنائية الأرفع في البلاد والتي تتسم أحكامها بالقطعية وتفتقر لدرجات التقاضي العادية—يبدو في جوهره قفزة فوق النتائج الأوليّة للتحقيق.
إن السعي لترسيخ مركزية التحقيق وتوحيد المرجعية القضائية تحت إشراف محقق عدلي والنيابة العامة التمييزية، يفقد صوابيته القانونية والموضوعية ما لم تثبت المعطيات والأدلة المادية حقيقة وجود فعل جرمي موصوف يشكل تهديداً صريحاً لأمن الدولة بالشروط التي حددتها المادة 356 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. وحين يفتقر الملف للأركان المادية والحسية الحاسمَة، تتحول الإحالة من وسيلة لـ”تعزيز الجدية والمصداقية” إلى مجرد غطاء إجرائي لـ”تكييف” التهمة وتضخيم القضية قبل اكتمال عناصرها.
استحضار “سيناريو 1994”: القضاء كأداة لتصفية الحسابات السياسية
تستحضر هذه التحركات ذكريات محطات تاريخية ملتبسة في التاريخ اللبناني الحديث، وتحديداً تجربة حلّ حزب “القوات اللبنانية” عام 1994 عقب تفجير كنيسة سيدة النجاة. حينها، اتُّخذ قرار إحالة الملف إلى المجلس العدلي في جلسة استثنائية لمجلس الوزراء، كتمهيد مباشر لقرار سياسي حاسم بحل الحزب.
إن محاولة إسقاط هذا النموذج اليوم في ملف متفجرات “ضهر البيدر”—وفي ظل مناخ يتسم بالتصعيد بين الدولة وحزب الله—تطرح علامات استفهام كبرى حول الخلفيات الحقيقية للإجراء:
هل نحن أمام مسار قضائي مستقل يبحث عن الحقيقة؟
أم أمام محاولة لإيجاد “مدخل إجرائي” لفرض معادلات سياسية وأمنية جديدة تتجاوز حدود الجريمة المفترضة؟
إن تحويل قضية لا تزال معطياتها غامضة إلى مادة لاستهداف القوى السياسية يفرغ المجلس العدلي من دوره كملاذ للعدالة، ويُظهره كأداة في صراع القوى.
ربط الملفات والضغوط الدولية: صناعة الروايات الأمنية
لا يمكن فصل الاندفاعة نحو المجلس العدلي عن سياق أوسع يمتد ليشمل ملفات أخرى أُثيرت مؤخراً، مثل مداهمة مصنع الأدوية في “كاليري سمعان” وما شيع حول “حفرة الفنار”. إن التسرع في ربط هذه الوقائع المتباينة وإسباغ طابع أمني أو لوجستي أو مالي عليها لإدانة طرف بعينه—تساوقاً مع ضغوط دولية وإقليمية متزايدة—يكشف عن نهج يسبق فيه الاتهامُ التحقيقَ.
خلاصة القول:
إن إحالة ملف “ضهر البيدر” إلى المجلس العدلي، في غياب أدلة جازمة تثبت وقوع جرم قائم بذاته يمسّ أمن الدولة وفق التعريفات القانونية الدقيقة، تتسم بالاعتوار القانوني والسياسي. فالعدالة الناجزة لا تتحقق بانتزاع الملفات وإحالتها إلى المحاكم الاستثنائية، بل بالالتزام بالمبادئ العامة للقانون الجزائي والتثبت من الشروط المادية للجرم، بعيداً عن التسييس والضغوط الخارجية.




