مجتمع ومنوعات

السادس عشر من شهر تشرين الاول من كل عام مناسبة لتقديم الشكر لكل مدير يعمل لنجاح ادارته

بقلم: علي سري الدين - أستاذ متقاعد في التعليم الثانوي

الإدارةُ أمانةٌ، والنجاحُ حكايةُ عطاء يحتفلُ العالمُ بيومٍ يُكرِّمُ فيه الإنسانَ الذي يحملُ لقبَ مدير؛ مديرَ مشروعٍ، أو مدرسةٍ، أو مؤسَّسةٍ، أو أيِّ موقعٍ يتحمَّلُ فيه مسؤوليَّةَ قيادةِ مجموعةٍ من الناس، وتوجيهِ جهودهم نحو تحقيق الأهداف المنشودة.
فالإدارةُ فنٌّ، وعلمٌ، وخبرةٌ، وقدراتٌ يكتسبُها الإنسانُ من تجارب الحياة، أو من خلال الدورات التدريبيَّة التي يخضعُ لها، رغبةً منه في تطوير قدراته، أو استجابةً لمتطلَّبات العمل،
كي يتمكَّنَ من التجديد والتطوير في الموقع الذي يتولَّى مسؤوليَّته.
والإدارةُ تتَّسعُ لتشملَ ميادينَ كثيرة؛ من إدارةِ مدرسةٍ صغيرة، إلى إدارةِ منطقةٍ تربويَّة، وصولًا إلى قمَّة الهرم الإداريِّ في الوزارات، حيث يتولَّى المسؤولون، من مديرين عامِّين ووزراء، مهمَّاتٍ تتطلَّبُ معرفةً واسعةً، وحُسنَ تدبيرٍ،
وقدرةً على اتخاذ القرارات.
ومن أهمِّ صفات المدير الناجح أن يمتلكَ شخصيَّةً متوازنةً، تجمعُ بين المرونة والدبلوماسيَّة والحزم، وأن يتحلَّى بالمعرفة والخبرة، وأن يكونَ ملمًّا بشؤون الحقل الذي يتولَّى إدارته.
فلا يجوزُ أن يقودَ الإنسانُ مؤسَّسةً وهو يجهلُ طبيعةَ
العمل فيها ومتطلَّباته.
وفي عصرنا الحاضر، أصبحت المعرفةُ بالتكنولوجيا، والقدرةُ على استخدام البرامج الرقميَّة، وتخزين المعلومات وتنظيمها وتحليلها، من الأدوات الأساسيَّة التي تساعدُ المديرَ على تطوير عمله، واتخاذ القرارات المناسبة، وتسخير الإمكانات المتاحة في خدمة المؤسَّسة ونجاحها.
إنَّ يومَ المدير هو، في جوهره، يومُ المؤسَّسة بكاملها؛ فالمديرُ رأسُ الهرم الإداريِّ، ونجاحُه يرتبطُ بجهود العاملين معه، وتكريمُه الحقيقيُّ هو تكريمٌ لكلِّ مَن أسهمَ في مسيرة المؤسَّسة، وعملَ بإخلاصٍ من أجل تقدُّمها.
وقد كنتُ مديرًا لأكثرَ من سبعةٍ وعشرين عامًا، وأعرفُ جيِّدًا قيمةَ المسؤوليَّة، وصعوبةَ الطريق الذي يسلكُه مَن يتولَّى الإدارة. إنَّها حكايةُ تعامُلٍ يوميٍّ مع الناس؛ مع أولياء الأمور، والهيئة التعليميَّة، والإدارة المركزيَّة، وسائر الجهات
التي ترتبطُ بعمل المؤسَّسة.
لكنَّ المحورَ الأهمَّ في هذه الحكاية يبقى الطالب؛
فهو الغايةُ التي من أجلها وُجدت المؤسَّسةُ التربويَّة،
وهو الأمانةُ التي ينبغي أن تبقى في صدارة الاهتمام، مهما تعدَّدت المسؤوليَّات وتنوَّعت التحدِّيات.
وأن تكتبَ في مجالٍ أمضيتَ فيه عمركَ الوظيفيَّ، يعني أن تعودَ إلى حقلٍ زرعتَ في أرضه سنواتِ حياتك، ومنحتَه من وقتك وفكرك وأعصابك، وسقيتَ ميادينَه بالجهد والتعب،
على أمل أن تنبتَ فيها أزهارُ العلم والمعرفة،
وأن تتركَ وراءك أجملَ الذكريات.
ما أجملَ الحياةَ حين تُتيحُ للإنسان أن يعملَ في الميدان
الذي يعشقُه، وأن يجدَ في رسالته معنى لوجوده،
مهما كانت الصعوبات!
حين قرأتُ عنوانَ هذه المناسبة: «يوم المدير العالمي»،
أشرقتْ في ذهني محطَّاتٌ كثيرة، واستيقظتْ في ذاكرتي مواقفُ وأعمالٌ وأحداثٌ، كانت جميلةً رغم مرارتها، وغنيَّةً بالدروس رغم قسوة المعاناة التي رافقتها.
فالإدارةُ في زمن الحروب، حين تضعفُ مؤسَّساتُ الدولة وتتراجعُ إمكاناتُها، تصبحُ مهمَّةً بالغةَ الصعوبة.
عندها، يشبهُ المديرُ مَن يزرعُ أرضًا صخريَّةً،
ويحاولُ أن يُنبتَ فيها الزهور؛ يبني العقولَ بالعلوم والمعارف، ويزرعُ الأملَ في النفوس، ويعملُ على حماية المؤسَّسة من الانهيار، مهما اشتدَّت العواصفُ من حولها.
كانت سنواتٌ جميلةً، على الرغم من كلِّ ما حملتْه من صعوباتٍ وتحدِّيات. واجهنا ما استطعنا مواجهتَه، وحاولنا ألَّا نسمحَ للشدائد بأن تنتصرَ على الخير في نفوسنا،
أو أن تُطفئَ شعلةَ الأمل في قلوبنا.
إنَّها سنواتٌ تختزنُ شريطًا لا ينتهي من المواقف والحكايات، وذكرياتٍ تتداخلُ فيها لحظاتُ الفرح مع ساعات التعب، والنجاح مع القلق، والانتصار مع خيبات الأمل.
وما أكتبه اليوم ليس إلَّا بعضًا ممَّا بقي في الذاكرة
من تلك الرحلة الطويلة.
ومهما دفعَ المديرُ من أعصابه ووقته، ومهما تحمَّلَ من أعباءٍ وضغوط، يبقى النجاحُ قادرًا على ردم الهوَّات، ومحو كثيرٍ من آثار التعب، ومنح الإنسان شعورًا بالرضا؛ حين يقفُ رافعًا رأسه، مطمئنَّ الضمير، لأنَّه كان أمينًا على موقعه،
ومخلصًا للمسؤوليَّة التي أُوكلت إليه.
سلامٌ لكلِّ مديرٍ ومديرة، يتحمَّلان المسؤوليَّة بإخلاص، ويضحِّيان بوقتهما وجهدهما، ويسهران الليالي
من أجل رفعة مؤسَّساتهما ونجاحها.
فنحن في وطنٍ تتوقَّفُ فيه مسيرةُ كثيرٍ من المؤسَّسات على كفاءة مَن يقودُها، وقدرات مَن يديرُ شؤونها،
وإيمانه بأنَّ الإدارةَ ليست امتيازًا شخصيًّا، بل مسؤوليَّةٌ وأمانة.
أطيبُ تمنِّياتي لكلِّ مَن يرى في المسؤوليَّة فعلَ إيمان، ويعتبرُها عهدًا ونذرًا وأمانةً يجبُ أن يكونَ على قدرها.
ومحبَّتي لكلِّ مَن يسمو فوق أنانيَّته، ويتجاوزُ مصالحَه الخاصَّة، واضعًا المصلحةَ العامَّة فوق كلِّ اعتبار؛ لأنَّه يدركُ أنَّ نجاحَ المؤسَّسة هو نجاحٌ للجميع، وأنَّ الإخلاصَ في
إدارتها هو السبيلُ إلى استمرارها وتقدُّمها.
فالإدارةُ ليست كرسيًّا نجلسُ عليه، ولا لقبًا نحملُه،
بل رسالةٌ نؤدِّيها، وأمانةٌ نصونُها،
وأثرٌ طيِّبٌ نتركُه في حياة الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى