الديمقراطية على الطريقة الفرنسية: عندما يتغيّر طرف العنف، فهل تتغيّر المبادئ أيضاً؟
عدنان عزّام - كاتب ومرشّح للانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027

الديمقراطية على الطريقة الفرنسية: عندما يتغيّر طرف العنف، فهل تتغيّر المبادئ أيضاً؟
ماذا لو كانت فرنسا قد تعرّضت على أراضيها لما تسامحت معه أو دعمته في أماكن أخرى؟
لقد رأينا الصور. رأينا عنف قوات الأمن الفرنسية ضد المتظاهرين. ورأينا جرحى، وأشخاصاً يُجرّون على الأرض، واعتقالات بالمئات، بل بالآلاف، بحسب الفترات والمظاهرات.
أمام هذه الصور، يفرض سؤال مُقلق نفسه: هل الديمقراطية مبدأ عالمي، أم امتياز يستحضره الأقوياء عندما يخدم مصالحهم؟
فلنطرح إذن بعض الأسئلة. أسئلة تثير الغضب. وأسئلة لا تكفي الخطب الدبلوماسية الرنّانة للإجابة عنها.
ماذا كان سيحدث لو كان المتظاهرون الفرنسيون مسلّحين ببنادق آلية وقنابل يدوية وقاذفات صواريخ وسيارات مفخخة، كما حدث في سوريا؟
أو كما يحدث حالياً في إيران، بحسب الرئيس دونالد ترامب، الذي أعرب عن خيبة أمله من الإيرانيين الذين سلّمهم أسلحة؟
لقد رأيت كل ذلك بأمّ عيني، ابتداءً من عام 2011. وكان الإرهابيون القادمون من جميع أنحاء العالم، بمن فيهم القادمون من فرنسا، يمتلكون حتى طائرات مسيّرة. والمفارقة الكبرى في هذه القصة هي أن بعض هذه الجماعات كانت تتلقى التمويل أو الدعم من شبكات وجهات أجنبية، من بينها شركة لافارج وممالك نفطية متحالفة مع فرنسا.
كيف كانت الحكومة الفرنسية ستردّ؟ هل كانت ستواصل الحديث عن مجرد مطالب شعبية؟ وهل كانت ستدعو إلى ضبط النفس والحوار واحترام الحريات؟ أم كانت ستعبّئ جميع أجهزة الدولة باسم الأمن القومي؟
وماذا لو أقام هؤلاء المتظاهرون مواقع لإطلاق الصواريخ؟ ولو أعلنوا رغبتهم في الاستيلاء على السلطة عن طريق الإرهاب؟ ولو ذبحوا الأسرى، وقطعوا رؤوس الأبرياء، وحوّلوا جرائمهم إلى عروض دموية مروّعة؟
ما الخطاب الذي كانت باريس ستتبنّاه؟
هل كنا سنظل نسمع الحديث عن حق التظاهر؟ وعن حرية التعبير؟ وعن شرعية معارضة تتحدى السلطة؟
فلنتحدث بجدية: لا تستطيع أي دولة أن تقبل بأن تقوم جماعات مسلّحة بمجازر بحق سكانها وتدمير مؤسساتها. ولكن، لماذا يبدو أن بعض الحكومات تنسى هذه الحقيقة البديهية عندما يتعلق الأمر ببلد تريد إضعافه أو عزله أو إسقاط نظامه؟
مليارات من أجل الديمقراطية… أم من أجل المصالح الجيوسياسية؟
لنتخيّل الآن أن قوى أجنبية وعدت هذه الجماعات بمئات المليارات من الدولارات، رسمياً باسم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
لنتخيّل أن دولاً مجاورة فتحت حدودها، وأن أجهزة استخبارات أجنبية أنشأت مراكز للتنسيق في البلدان المجاورة، وأن عدة قوى كبرى وحّدت جهودها لدعم تمرّد مسلّح على الأراضي الفرنسية.
لنتخيّل أن تركيا انخرطت في مواجهة مباشرة مع باريس، كما فعلت ضد سوريا.
وأن شبكات دولية نقلت مقاتلين قادمين من عشرات البلدان. وأن تنظيمات جهادية، مثل القاعدة وداعش وجبهة النصرة، شكّلت رأس الحربة في هذه العملية.
ولنتخيّل أخيراً أن دولة معادية لفرنسا فتحت مستشفياتها لعلاج المقاتلين الجرحى، بينما كانت تأمل أن يؤدي انتصارهم إلى تغيير التوازن السياسي في فرنسا.
ماذا كانت ستفعل الجمهورية الفرنسية عندئذ؟
هل كانت ستقبل بأن تقوم حكومات أجنبية بتمويل جماعات تقاتل على أراضيها وتسليحها ودعمها؟
هل كانت ستتسامح مع تقديم خصومها هذا التدخل على أنه عملية إنسانية؟
هل كانت ستقبل بتبرير تدمير مدنها باسم الحرية، وبتمجيد المقاتلين الذين يهاجمون مؤسساتها، وبوصف قوى ديمقراطيةً رغم أن ممارساتها تتعارض مع المبادئ ذاتها التي تزعم الدفاع عنها؟
بالطبع لا!
كانت فرنسا ستتمسك بسيادتها، ووحدة أراضيها، وأمنها القومي، وحق شعبها في تقرير مستقبله.
ولكان من حقها أن تفعل ذلك.
لكن هذه الإجابة تثير سؤالاً جوهرياً: لماذا يمكن لما يبدو غير مقبول عندما نتخيّله في فرنسا أن يصبح مقبولاً عندما يتعلق الأمر بشعب آخر؟
هل سيادة الآخرين أقل قيمة من سيادة فرنسا؟
ليست المشكلة في معرفة ما إذا كانت فرنسا تملك الحق في الدفاع عن نفسها. فكل دولة يقع على عاتقها واجب حماية سكانها، مع احترام القانون والحريات الأساسية.
المشكلة تكمن في الاتساق.
هل يمكن الدفاع عن السيادة الوطنية داخل بلادنا، والتقليل من شأنها لدى الآخرين؟
هل يمكن إدانة التدخلات الأجنبية عندما تستهدف باريس، مع تقديمها على أنها ضرورة تاريخية عندما يتعلق الأمر بدمشق أو طرابلس أو عواصم أخرى؟
هل يمكن إدانة أسلحة البعض، وغضّ الطرف عن أسلحة الآخرين؟
هل يمكن إدانة الإرهاب في بلد ما، ثم البحث عن حلفاء بين جماعات مسلّحة معروفة بممارساتها الإرهابية؟
والأهم من ذلك، هل يمكن الادعاء بأننا نقدّم الديمقراطية لشعب ما، بينما ندعم حرباً تمزّق عائلاته، وتدمّر بنيته التحتية، وتشرّد أبناءه، وتحول مدنه إلى أنقاض؟
لا يمكن إسقاط الديمقراطية بالمظلات من فوهة بندقية. ولا يمكن تمويلها بمليارات تدفعها قوى أجنبية. ولا يمكن بناؤها فوق المقابر الجماعية وقطع الرؤوس وتدمير بلد بأكمله.
تقتضي الديمقراطية، أولاً، أن تكون الشعوب حرة في اختيار مستقبلها، من دون ابتزاز أو إرهاب أو وصاية أجنبية، وقبل كل شيء، أن يكون الشعب بأكمله على علم بما يجري.
الكذبة الكبرى وراء الخطب الرنّانة
لقد حان الوقت للنظر إلى السياسة الدولية من دون سذاجة.
إن كلمات «الحرية» و«الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» و«حماية السكان» مبادئ ثمينة. لكنها تفقد معناها عندما تتحول إلى مجرد أدوات للتواصل السياسي، تُشهَر في وجه الخصوم ويُتخلّى عنها أمام الحلفاء.
عندما تقمع حكومة احتجاجاً بوحشية، يجب أن نكون قادرين على انتقادها. وعندما تعتدي الشرطة بصورة غير قانونية على أحد المتظاهرين، يجب أن نكون قادرين على إدانة ذلك. وعندما ترتكب دولة جرائم، يجب أن تتحمل مسؤوليتها عنها.
لكن هذا المطلب يجب أن يكون عالمياً. فلا يجوز أن يتوقف على العلم أو الدين أو التحالف العسكري أو المصالح الاقتصادية للبلد المعني.
حقوق الإنسان ليست ذات معايير متغيّرة. والسيادة لا تُمنح وفقاً للصداقات الدبلوماسية. والديمقراطية ليست ملكاً لأي قوة.
لذلك، أطرح سؤالاً أخيراً على أولئك الذين يدّعون الدفاع عن الحرية، بينما يطبّقون مبادئ مختلفة بحسب الشعوب:
لو تعرّض بلدكم غداً للتدخلات نفسها، والتمويل الأجنبي نفسه، وانتشار الجماعات المسلّحة نفسه، وأعمال العنف نفسها التي برّرتموها في أماكن أخرى، فهل ستقبلون بأن يشرح لكم أحد أن كل ذلك يحدث من أجل مصلحتكم؟
أنا أعرف الإجابة مسبقاً.
ستتمسكون بسيادتكم. وستطالبون باحترام حدودكم. وستطالبون بحقكم في تقرير مصيركم.
وهذا تحديداً هو الحق الذي تطالب به الشعوب الأخرى أيضاً.
إذن، كفى نفاقاً! كفى غضباً انتقائياً! كفى بهذه الديمقراطية ذات المعايير المتغيّرة، التي تبدّل وجهها بحسب مصالح الأقوياء!
إذا كانت الديمقراطية قيمة عالمية، فلتكن كذلك في كل مكان. وإذا كانت السيادة حقاً، فليُطبَّق على جميع الشعوب. وإذا كانت حقوق الإنسان مقدّسة، فلتكن كذلك في باريس كما في دمشق أو طهران.
وإلا، فليتوقفوا عن إعطاء دروس في الأخلاق، وعن تقديم المصالح الجيوسياسية للقوى الكبرى على أنها حملات صليبية إنسانية.
لأن الفضيحة الحقيقية ليست في أن تطالب الشعوب بالحرية، بل في أن بعض الأقوياء يدّعون لأنفسهم الحق في تقرير أيّ الشعوب يحق لها اختيارها.




