من مطعم مجد الطباع إلى مول القمرين: حين تُستباح الأرض وتُمحى ذاكرة تشرين
بقلم: الأستاذ غيلان الدمشقي

في نيسان عام 2002، دخل القنصل الأمريكي مطعم «أوكسجين» في دمشق، فطلبت منه صاحبته مجد نيازي الطباع المغادرة، احتجاجاً على الدعم الأمريكي للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين. لم تكن مجد وزيرة للخارجية، ولا قائدة عسكرية، ولا صاحبة منصب سياسي. كانت امرأة سورية تدير مطعماً، لكنها كانت تدرك أن السيادة لا تبدأ عند الحدود وحدها، بل تبدأ من وجدان الإنسان، من إحساسه بأن أرضه ليست مباحة، وأن كرامته لا تُباع ولا تُشترى.
لم يكن جندي إسرائيلي يومها يتجول في أسواق ريف دمشق، ولم تكن الدوريات الإسرائيلية تقيم الحواجز في قراه. ومع ذلك، لم تحتمل تلك المرأة وجود ممثل الإدارة الأمريكية الداعمة لإسرائيل في مطعمها. لم تنتظر تعليمات، ولم تحتج إلى من يشرح لها معنى الوطنية. قالت كلمتها، وغادر الرجل.
وبعد أربعة وعشرين عاماً، تتداول الأوساط المحلية في عرطوز روايات عن دخول جنود إسرائيليين إلى مول القمرين والتبضع فيه، وهي روايات لم أجد لها حتى الآن توثيقاً مستقلاً يحسم تفاصيلها. لكن مجرد تداول هذا المشهد، في ظل التوغلات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب السوري، يكشف مقدار ما تغير في البلاد.
فكيف انتقلنا من امرأة تطرد قنصلاً أمريكياً احتجاجاً على عدوان يقع خارج حدود وطنها، إلى واقع يصبح فيه دخول جنود الاحتلال إلى الأرض السورية خبراً يتكرر، ثم يُطوى تحت ركام الأخبار اليومية؟
ليس السؤال عن القوة العسكرية الإسرائيلية وحدها، بل عن مصير دولة، وعن معنى الثورة حين ينتهي الطريق إلى انكشاف الحدود، وتفكك مؤسسات الردع، وتحول السيادة إلى مفردة في الخطب، بينما تُرسم حدود المسموح والممنوع خارج البلاد.
دولة الأمس وسلطة الأمر الواقع
لم تكن سوريا في عهد الأسد دولة غنية، ولا كانت بمنأى عن الأزمات والأخطاء. لكنها احتفظت، حتى في أشد سنوات الحرب والعقوبات الاقتصادية، بمؤسساتها العسكرية والإدارية، وبقدر من القدرة على إدارة المجتمع وتقديم الخدمات الأساسية.
وكانت الجبهة مع إسرائيل شاهداً على الفارق بين وجود دولة تمتلك أدوات ردع، مهما كانت محدودة، وبين سلطة تواجه صعوبة في منع القوات الإسرائيلية من فرض الوقائع على الأرض.
فالجولان احتُل عام 1967، لكن اتفاق فصل القوات عام 1974 جاء بعد حرب تشرين عام 1973، وبعد تضحيات الجيش العربي السوري، ليؤسس واقعاً حدودياً استمر عقوداً والاقتحامات البرية لم تكن مشهداً قابلا للتخيل.
وقد أدركت القيادة السورية السابقة، في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الأمريكي له، أن المواجهة لا يمكن أن تعتمد على الحرب النظامية وحدها. فدعمت حزب الله، واحتضنت حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية، وأسهمت في بناء شبكة إقليمية جعلت للاعتداء على سوريا وحلفائها حسابات تتجاوز حدودها الجغرافية.
كانت لتلك السياسة أثمان باهظة، لكنها عكست خياراً استراتيجياً يقوم على امتلاك أوراق قوة بدلاً من الاكتفاء بالمناشدات الدبلوماسية.
ومع ذلك، لم يكف خصوم النظام السابق عن اتهامه بالتفريط بالجولان، وكأن حرب تشرين وتضحيات الجيش واتفاق فصل القوات لم تكن سوى تفاصيل لا تستحق الذكر.
واليوم تنقلب المفارقة على أفّاكي الثورة. فقد سقط الجيش الذي اتهموه بالعجز، وانكشف الجنوب الذي وعدوا بتحريره، وأصبحت القوات الإسرائيلية تتقدم إلى مناطق لم تكن تدخلها على هذا النحو في العقود السابقة.
فهل يكون تحرير الوطن بإسقاط جيشه وتفكيك مؤسساته، ثم ترك حدوده مكشوفة أمام عدو لم يُخفِ يوماً أطماعه؟
إن سقوط السلطة السابقة لم يكن في ذاته دليلاً على قيام دولة أفضل، كما أن تبديل الأعلام والأسماء لا يخلق سيادة. والشرعية الوطنية، في نظري، لا تستمدها السلطة من رضا العواصم الأجنبية، بل من استقلال قرارها وقدرتها على حماية أرضها ومواطنيها.
الخبز والمحروقات والدواء: مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها
ولعل المقارنة الاقتصادية تكشف جانباً آخر من المفارقة، لا يقل أهمية عن المقارنة العسكرية.
لقد عاشت سوريا في سنوات الحرب الأخيرة تحت عقوبات اقتصادية قاسية، وتراجع حاد في الإنتاج والموارد، وانهيار في قيمة العملة، ونقص متكرر في الوقود والمواد الأساسية. ومع ذلك، استمرت الدولة السابقة في تحمل مسؤولية مباشرة عن دعم السلع والخدمات الأساسية.
بقي الخبز المدعوم جزءاً من الحياة اليومية، وبقيت المحروقات تُوزع عبر منظومة دعم وتقنين، واستمرت المستشفيات العامة والبرامج العلاجية في العمل رغم النقص والعجز. وظل توفير الأدوية النوعية، ومنها أدوية الأمراض السرطانية، من مسؤوليات المؤسسات الصحية العامة، وإن عانت تلك البرامج من انقطاعات وصعوبات حقيقية.




