اخبار عربية ودوليةالرئيسية

الصراع بين إريتريا وإثيوبيا.. هل يتحول الى حرب جديدة في القرن الأفريقي؟

الأخبار

تتزايد المخاوف من تحوّل الصراع بين إريتريا وإثيوبيا، في أيّ لحظة، إلى حرب مفتوحة، ولا سيما أن «اتفاق السلام والصداقة والتعاون الشامل» الموقَّع بين البلدَين في 16 أيلول 2018، والذي أنهى الصراع رسمياً بوساطات سعودية وأميركية متعجّلة، لم يعالج جذور التوتّر أو الأسباب التي تدفع إلى تجدّده. وترى إريتريا أن مواجهة أطماع آبي أحمد في ميناء عصب والسيطرة على طرق الوصول إليه تتطلّب شنّ تحركات استباقية داخل الأراضي الإثيوبية، وذلك بهدف رفع كلفة أيّ تحرّك إثيوبي محتمل في اتجاه الميناء. كما أن أسمرة تعمل على توثيق علاقاتها بالقاهرة والخرطوم ورفع مستوى التنسيق معهما، الأمر الذي تعتبره أديس أبابا شكلاً من أشكال «الحصار الجيوسياسي» الذي تقوده مصر ضدّها. في المقابل، يتقاطع التحرّك الإثيوبي مع رغبة أطراف إقليمية ودولية في إسقاط نظام آسياس أفورقي من بوابة إثيوبيا، وهو ما تتصدّره إسرائيل والإمارات اللتان ترغبان بقوة في تغيير الأوضاع الجيوسياسية في كامل حوض البحر الأحمر، في توجّه يحظى أيضاً بدعم ضمني من إدارة دونالد ترامب.

وكان التوتر بين إثيوبيا وإريتريا تصاعد مطلع تشرين الأول الجاري، بعدما أغلقت الأولى السفارة الإريترية في أديس أبابا، وأعلنت عشرة دبلوماسيين إريتريين «أشخاصاً غير مرغوب فيهم»، وهو ما دفع أسمرة بدورها إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع جارتها. وأعقب ذلك، وفقاً لتقارير نُشرت في السابع من الجاري، وصول قوات إريترية إلى مناطق أعمق داخل إقليم تيغراي، فيما لم توضح تلك التقارير طبيعة هذا التحرّك، وما إذا كان يعني إعادة انتشار القوات الموجودة أصلاً في الإقليم منذ نهاية الحرب عام 2022 – بموجب تفاهمات أمر واقع مع السلطات الفيدرالية -، أم دفع تعزيزات جديدة إلى داخله. وتُحمِّل تقارير أميركية وإثيوبية، إريتريا، مسؤولية رئيسية عن التصعيد داخل إثيوبيا، باعتبارها فاعلاً خارجياً في الأزمة الداخلية، مشيرةً إلى وصول قوات إريترية إلى إقليم العفر، في تطوّر من شأنه رفع مستوى المواجهة وتوسيع نطاقها المُحتمل. ولربما يكون إرسال تلك القوات، وفق أحد التفسيرات، ضربة استباقية إريترية لمنع إثيوبيا من التقدم نحو ميناء عصب، الذي لا يبعد سوى نحو خمسين كيلومتراً عن أقرب نقطة من الحدود. وفي المقابل، تركّز أديس أبابا على التصعيد مع أسمرة، فيما تبدو أقلّ اكتراثاً بقدرة ما يُعرف بـ«تحالف البقاء» على فرض واقع سياسي جديد داخل البلاد أو تهديد سلطة آبي أحمد – وهو ما قد يُعزى إلى هشاشة هذا التحالف وكثرة الخلافات بين مكوّناته، بما يشمل الانشقاقات داخل صفوف القوى النشطة في إقليم أوروميا، وغياب تحرك واضح لها في إقليم بني شنقول ـ قمز المحاذي للسودان-.

ويأتي التصعيد الإثيوبي – الإريتري في سياق استقطاب إقليمي امتدّ أشهراً وشمل ملفات عدة، من بينها الخلاف بين أديس أبابا والقاهرة حول مياه النيل، والتنافس الإثيوبي – المصري في الصومال، حيث حقّقت القاهرة مكاسب خلال عامي 2025 و2026. ويضاف إلى ذلك، التوتر الإثيوبي – السوداني، ولا سيما في ظلّ تقارير إثيوبية، منذ أيار الماضي، عن حشد الجيش السوداني تعزيزات في منطقتَي النيل الأزرق والقضارف الحدوديّتَين، والذي قابلته أديس أبابا، بحسب هذه التقارير، بتعزيز قدرات قاعدة «أصوصا» قرب الحدود مع السودان، وتحديداً في إقليم بني شنقول – قمز منذ آب الماضي.

إسرائيل على خط الأزمة

منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948، شكّلت إثيوبيا إحدى أبرز بواباته إلى القارة الأفريقية. وتفسّر هذه العلاقة اللحظات الحاسمة التي أغاثت فيها إسرائيل نظام الحكم في إثيوبيا حين واجه أزمات حادّة، من أبرزها المساهمة في إفشال محاولة الانقلاب على الإمبراطور، هيلا سيلاسي، في كانون الأول 1960، وتسهيل زيارة رسمية له إلى واشنطن في أيار 1973 – رغم أن تل أبيب لم تنجح في إقناع الإدارة الأميركية وقتذاك بدعمه ومنع سقوطه في تشرين الأول 1974-. وأعقب ذلك تقديم إسرائيل دعماً عسكرياً مهماً لإثيوبيا خلال «حرب الأوغادين» مع الصومال بين عامَي 1977 و1978.

وفي الأزمة الراهنة، تبرز إسرائيل داعماً أساسياً لنظام آبي أحمد؛ إذ بادر وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، في السادس من الجاري، إلى الاتصال بنظيره الإثيوبي، جيديون تيموتيوس، حيث أكّد «أهمية وحدة إثيوبيا واستقرارها والمصالح المشتركة في الحفاظ على السلام في القرن الأفريقي». كما أعرب عن رغبة الكيان في تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون في مجالات الزراعة والصحة وإدارة المياه والطاقة المتجدّدة والأمن السيبراني وبناء القدرات مع إثيوبيا، إلى جانب اهتمامات أخرى. ولا تقتصر هذه الاهتمامات على استجابة إسرائيل للمخاوف الإثيوبية بالدعم والإسناد، بل تتصل أيضاً بتقاطع المصالح بين الطرفَين في مواجهة ترتيبات إقليمية لا تخدم طموحاتهما. وفي هذا السياق، برزت «قمة العلمين» الرباعية التي جمعت قادة مصر والصومال وإريتريا والسودان، في الثالث من الشهر الجاري، وما صدر منها في شأن «حوكمة البحر الأحمر»، والتأكيد أن إدارة شؤون الأخير تقتصر على دول حوضه، فضلاً عن رفض أيّ اعتراف أو دعم (إسرائيلي أو إثيوبي) لإقليم أرض الصومال الانفصالي.

وفي المقابل، تحرص إسرائيل على دعم الرواية الإثيوبية، القائلة إن دولة بهذا الحجم لا ينبغي أن تبقى حبيسة اليابسة، ومنقطعة الصلة عن حوض البحر الأحمر. ويخدم هذا التوجه الاستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى توسيع شبكة الحلفاء في المنطقة، بما يتيح لها تعزيز نفوذها السياسي والعسكري وترسيخ حضورها في الممرات البحرية الحيوية. وفي السياق، كان الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، أكّد، عشية «قمة العلمين»، وجود خطط إسرائيلية واضحة لإقامة قاعدة بحرية في ميناء بربرة في إقليم أرض الصومال والوصول إلى مطار المدينة والقيام بعمليات عسكرية متنوّعة انطلاقاً منه، الأمر الذي سيمثّل نقطة التقاء للمصالح الإثيوبية والإسرائيلية في نهاية ما يُعرف بممر بربرة الذي يربط بين الميناء الصومالي ومدينة أديس أبابا على مدى 937 كم، علماً أن إنشاء الميناء تمّ باستثمارات إماراتية.

ولئن درجت إسرائيل والإمارات ومن خلفهما إثيوبيا على الترويج لكون الوجود العسكري لهذه الأطراف في البحر الأحمر وخليج عدن يرتبط بترتيبات لمواجهة النفوذ الإيراني وأنشطة الجماعات «الإرهابية» ووكلائها في المنطقة، ومحاولة احتواء الصراع المتمدّد من اليمن عبر البحر الأحمر إلى سواحل القرن الأفريقي، فإن خطوات تلك الدول الثلاثة مجتمعة، والتي تستهدف مكاسب بعيدة المدى بتكلفة منخفضة، تشير إلى وجود تنسيق مُسبق ضدّ إريتريا، وصولاً ربّما إلى تمكين الجيش الفيدرالي في الأسابيع المقبلة من شنّ هجوم كبير على مدينة عصب الإريترية، بالتوازي مع تعظيم قدرات الجيش في مواجهة حركات المعارضة المسلّحة في الداخل الإثيوبي. ومن شأن هذا السيناريو، إذا ما تحقّق، أن يعيد خلط أوراق ملفات إقليمية عدّة، من زيادة الضغط على مصر، إلى تعميق الفوضى في السودان، وصولاً إلى تقليص هوامش المناورة أمام الصومال، فضلاً عن منح إسرائيل والإمارات فرصة لتوسيع نفوذهما في البحر الأحمر وخليج عدن، بالاستفادة من انشغال دول المنطقة بصراعات متداخلة.

مع ذلك، يظلّ وقوع الحرب بين إثيوبيا وإريتريا مرهوناً بحجم الدعم الذي يتلقّاه آبي أحمد، وبقدرته على خوض مواجهة قد تمتدّ أشهراً أو أكثر. كما أن انخراط مصر عسكرياً إلى جانب إريتريا يبقى احتمالاً مُعقّداً، بفعل اعتبارات عدة، أبرزها العامل الأميركي في القرن الأفريقي، ناهيك عن صعوبة منافسة خطوط الإمداد التي قد توفّرها إسرائيل والإمارات لأديس أبابا. وإلى جانب ذلك، قد تؤدّي هذه الحرب إلى فتح جبهة قتال إثيوبية – سودانية عند مناطق القضارف وبني شنقول – قمز، في ما من شأنه تعريض موقع سدّ النهضة وبحيرته لمخاطر العمليات العسكرية أو التخريبية، نظراً إلى قربهما من الحدود السودانية، التي تصل المسافة بينها وبين بعض أجزاء السد والبحيرة إلى 15 كيلومتراً عند أقرب نقطة، و40 عند أبعدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى