
أمين الريحاني…حين يصبح الحرف رسالةَ حرية
في الذكرى المئة والخمسين لميلاد فيلسوف الفريكة
أمين الريحاني، أديبٌ وفيلسوفٌ ومفكّرٌ لبنانيّ،
وُلد في الفريكة عام 1876، فكان واحدًا من أولئك
الذين حملوا اسم وطنهم إلى العالم، وجعلوا من الفكر جسرًا يصل الشرق بالغرب، ومن الأدب رسالةً
تتجاوز حدود الجغرافيا والزمن.
في هذا اليوم، نستعيد ذكرى ميلاد رجلٍ
آمن بأنّ المعرفة قوّة، وأنّ العقل طريقٌ
إلى التحرّر، وأنّ الإنسان لا يسمو
إلّا حين يتحرّر من قيود الجهل والتعصّب.
منذ أجيالٍ وقرون، حمل أبناء هذا الشاطئ
المتوسّطي عقولهم وأفكارهم إلى الآفاق البعيدة،
فأسهموا في مسيرة العلم والمعرفة والإبداع.
وكان الريحاني واحدًا من هؤلاء الذين غادروا أرضهم،
لا ليتخلّوا عنها، بل ليحملوا صورتها في وجدانهم،
ويجعلوا من أحلام جبالها ووديانها
ومنابعها مادّةً للفكر والأدب والفلسفة.
سافر الريحاني، لكنّه لم يترك وطنه وراءه؛
فقد حمل لبنان في قلبه، واحتفظ بروح
الشرق في أعماقه، وانفتح على ثقافات العالم،
مؤمنًا بأنّ الحضارات تتلاقح،
وأنّ الفكر الإنساني لا يعرف حدودًا تقف في وجهه.
لقد أدرك أنّ التقدّم لا يتحقّق باستيراد مظاهر الحضارة فحسب، بل بإعمال العقل، وإطلاق حرّيّة التفكير،
والاستفادة من تجارب الشعوب.
فالغرب الذي انفتح على معارف الأمم،
وأعاد النظر في كثيرٍ من المسلّمات،
استطاع أن يحقّق قفزاتٍ واسعةً
في ميادين العلوم والفنون والمعرفة.
وكان الريحاني من دعاة هذا الانفتاح،
ومن المؤمنين بأنّ لأمتنا تراثًا غنيًّا قادرًا
على الإسهام في بناء الحضارة، شرط
ألّا يتحوّل الماضي إلى قيدٍ يمنعنا من التقدّم،
وألّا يصبح الموروث حاجزًا يحول
دون السؤال والتجديد.
الريحاني… عقلٌ لا يقبل القيود
تأثّر أمين الريحاني بأعلام الفكر والأدب، وفي مقدّمهم أبو العلاء المعرّي، فترجم مختاراتٍ من شعره،
ومن بينها «اللُّزوميّات»، إلى اللغة الإنكليزيّة،
ناقلًا إلى قارئٍ جديدٍ صوتَ شاعرٍ عربيّ
عُرف بعمق تأمّلاته ونقده للمجتمع والحياة.
كما انفتح الريحاني على الفكر الفلسفيّ الحديث،
واستلهم مبادئ الحرّيّة والتقدّم وإعمال العقل،
وتأثّر بأفكار الثورة الفرنسيّة وكتابات جان جاك روسو،
مؤمنًا بقدرة الإنسان على مراجعة أفكاره،
وتغيير واقعه، وصناعة مستقبله.
ولم يكن إيمانه بالعقل مجرّد فكرةٍ نظريّة،
بل كان نهجًا في الحياة، ودعوةً إلى ألّا يقبل الإنسان كلّ ما ورثه دون تمحيص، وألّا يسمح للعصبيّات
بأن تصادر حقّه في التفكير والاختيار.
لقد دعا إلى التسامح الدينيّ، ورفض التعصّب،
ورأى أنّ جوهر الأديان ينبغي أن يكون في خدمة الإنسان،
وأنّ القيم الروحيّة السامية لا تكتمل إلّا بالمحبّة والعدل والرحمة واحترام كرامة البشر.
كما دعا إلى الفصل بين الدين والدولة،
وإلى قيام دولةٍ مدنيّةٍ تحترم الإنسان،
وتصون حرّيّته، وتساوي بين أبنائها،
وتعمل من أجل سعادتهم، بعيدًا عن استغلال الدين في الصراعات والانقسامات.
وقد أثارت مواقفه الجريئة جدلًا واعتراضاتٍ في عصره،
لكنّه ظلّ متمسّكًا بحقّ العقل في السؤال،
وبحقّ الإنسان في أن يبحث عن الحقيقة دون خوفٍ أو وصاية.
من الفريكة إلى آفاق العالم العربيّ
لم يكن الريحاني أديبًا يعيش في عالم الكتب وحده،
بل كان مفكّرًا معنيًّا بقضايا الإنسان والمجتمع والوطن.
وقد سعى إلى تعزيز التقارب بين الشرق والغرب،
وإلى بناء وعيٍ عربيّ يقوم على المعرفة والحوار،
ويتجاوز الانقسامات التي أضعفت شعوب المنطقة.
وجال في الجزيرة العربيّة، وزار مناطق واسعةً منها، كما ارتحل في أرجاء أخرى من المشرق، ودوّن مشاهداته وانطباعاته، واهتمّ بأحوال المجتمعات والحكّام، وبما يمكن أن يحقّقه الحوار من تقريبٍ لوجهات النظر.
وكانت الوحدة العربيّة، في فكره، أفقًا حضاريًّا يستحقّ العمل من أجله، لا مجرّد شعارٍ يُرفع في المناسبات. فقد آمن بأنّ التعاون بين الشعوب، واحترام تنوّعها،
والانفتاح على المعرفة، يمكن أن تفتح أبوابًا
واسعةً أمام مستقبلٍ أكثر عدلًا وازدهارًا.
وما أحوجنا اليوم إلى استعادة هذه الروح؛
روح الحوار بدل الخصام، والعقل بدل التعصّب،
والعمل بدل الاكتفاء بالشعارات!
فكم من القضايا ما زلنا نهتف من أجلها،
وكم من الأحلام التي حملها روّاد الفكر والأدب
لا تزال تنتظر مَن يحوّلها إلى واقع!
الريحاني… حضورٌ لا تطويه السنوات
في الذكرى المئة والخمسين لميلاده، أُطلقت سلسلةٌ من النشاطات الثقافيّة والأدبيّة والفكريّة، تمتدّ من مطلع تمّوز 2026 إلى أواخر كانون الثاني 2027، بمبادرةٍ من مؤسّسة أمين الريحاني في الولايات المتّحدة، وبالتعاون مع متحف أمين الريحاني في الفريكة، لإحياء إرث هذا الأديب والمفكّر، وتسليط الضوء على مكانته في الأدب والفكر العربيّين، وعلى تجربته التي عبرت الحدود بين الشرق والغرب.
كما شهدت بلدان الاغتراب، إلى جانب المملكة العربيّة السعوديّة وغيرها من البلدان، محطّاتٍ تكريميّةً
استحضرت سيرته وإسهاماته.
نعم، رحل ابن الفريكة اللبنانيّة، لكنّ رحيله لم يحمل معه فكره، ولم يُغلق صفحات كتبه، ولم يُطفئ ما أشعله
في العقول من أسئلةٍ وأفكار.
رحل الجسد، وبقي الحرف شاهدًا على صاحبه، لا تمحوه السنوات، ولا تطفئ وهجه حرارة الشمس، ولا يبدّد نوره صقيع صنين.
بل لعلّ شمس الفريكة تزيده إشراقًا،
ولعلّ ثلوج جبالنا تمنحه مزيدًا من الصمود والتألّق؛
فالأفكار التي تُكتب من أجل الإنسان لا تموت بموت أصحابها، بل تظلّ حيّةً ما دام هناك مَن يقرؤها، ويتأمّلها، ويؤمن برسالتها.
الحرف سفينتنا… والحرّيّة غايتنا
مهما اشتدّت الظروف، وتعاظمت المصاعب، وتكاثرت المشكلات، يبقى الحرف قادرًا على تخليد أصحاب الرسالات، أولئك الذين جعلوا من الكلمة وسيلةً لنشر المحبّة،
والدفاع عن الحرّيّة، وصون كرامة الإنسان.
سيبقى الحرف سفينتنا، والكلمة زادنا، والمعرفة طريقنا، والتحرّر من دياجير الجهل طموحنا.
وسيبقى إيماننا بأنّ الصخر، مهما اشتدّ، لا بدّ أن يستجيب لإزميل نحّاتٍ أحبّ الجمال، وآمن بأنّ وراء قسوته صورةً تستحقّ أن تُبعث إلى الحياة.
وكذلك الظلم، مهما امتلك من قوّةٍ وسلطان،
لا يستطيع أن يُسكت إلى الأبد أصوات الذين يرفضون الجور، ويتمسّكون بالحقّ، وينشدون غدًا أكثر عدلًا وإنسانيّة.
فالقوّة لا تصنع الحقّ، والسلطان لا يمنح صاحبه الخلود،
أمّا الكلمة الصادقة، والفكرة الحرّة، والعمل المخلص،
فتبقى آثارها في وجدان الأجيال.
أمين الريحاني، يا ابن الفريكة،
لقد غادرتنا منذ زمن، لكنّك تركت لنا ما هو أبقى من الحضور الجسديّ: تركت فكرًا يُستعاد، وحروفًا تُقرأ،
ورسالةً تستحقّ أن نتابع حملها.
فلنُداوم على نصرة الحقّ، ولنُصارع الجهل والتعصّب والظلم، في كلّ زمانٍ ومكان، مؤمنين بأنّ الإنسان يستحقّ حياةً تليق بكرامته، ووطنًا يتّسع لأحلامه،
وعالمًا تسوده الحرّيّة والمحبّة والسلام.




