
عمّت فرنسا احتجاجاتٌ واسعة شارك فيها مئات الآلاف من طلاب المدارس الثانوية والجامعات والمعلّمين وأولياء الأمور والنقابيين، في مشهد استدعى ذاكرة ثورة الطلاب عام 1968. واندلعت شرارة المواجهات مع الأجهزة الأمنية الأسبوع الماضي في ضواحي باريس الشعبية، وذلك حين أقدم طلّاب على إغلاق مدارسهم احتجاجاً على اكتظاظ الفصول وتقادُم المباني ونقص المعلّمين. ومن ثمّ، امتدّت الموجة إلى مئات الثانويات في مختلف أنحاء البلاد، قبل أن يلتحق بها، هذا الأسبوع، الآلاف من أعضاء النقابات العمالية والمعلّمين وأولياء الأمور، الذين طالبوا بزيادة الإنفاق على التعليم العام.
وقدّرت وزارة الداخلية الفرنسية عدد المنخرطين في الاحتجاجات بنحو 250 ألف شخص على مستوى البلاد، من بينهم 56 ألفاً في باريس، فيما قالت الجهات المُنظِّمة إن العدد تجاوز الـ450 ألف شخص، منهم 100 ألف في العاصمة. وفي حين عكست هذه الفجوة حجم الجدل الدائر حول مدى شعبية الانتفاضة وتأثيرها، فقد جاءت التقديرات في خصوص المُصابين والمُعتقلين لتجلّي حدّة الاشتباكات بين قوات الأمن والمحتجّين، وتدْفع منظّمات حقوقية بالتالي، منها «منظمة العفو الدولية»، إلى انتقاد استخدام السلطات الغاز المُسيل للدموع والقنابل الصاعقة ضدّ الطلبة القُصّر.
وكانت أعلنت وزارة الداخلية توقيف نحو 500 شخص خلال احتجاجات هذا الأسبوع، بينما تجاوز العدد الإجمالي للموقوفين حتى الآن ستة آلاف شخص، معظمهم من القُصّر. كذلك، سجّلت وزارة التربية إصابة 215 طالباً و85 من موظفي المدارس، في حين أصيب 715 شرطياً وفق أرقام «الداخلية».
وفي حادثتَين هزّتا الرأي العام الفرنسي، فقدَ طالب – يبلغ من العمر 15 عاماً – يده اليسرى في اضطرابات في شمال البلاد، بينما خسر طالب آخر – 16 عاماً – عينه في مدينة تور بعد إصابته بقذيفة يُرجّح أنها من أسلحة الشرطة شبه الفتّاكة. وأثارت هذه الحوادث اتّهامات للحكومة باستخدام القوة المُفرطة، وهو ما اضطرّ رئيس الوزراء، سيباستيان لوكورنو، إلى الدفاع عن أداء الشرطة أمام البرلمان، قائلاً: «ما يحرّك التدخل الأمني هو وقوع أعمال عنف. هل يمكن أن تقع حوادث؟ الجواب: نعم»، رافضاً تعبير «وحشية الشرطة» الذي يوحي بوجود تعليمات باستخدام القوة ضدّ المنتفضين.
في هذا الوقت، بدا لافتاً رفع العلم الفلسطيني خلال عدد من التظاهرات في ضواحي باريس وليون ومرسيليا وستراسبورغ – الذي رأت بعض الجهات أنه قد يحجب المطالب المشروعة للانتفاضة، خصوصاً أن الأخيرة يشارك فيها حزب «فرنسا الأبية» (أقصى اليسار) بزعامة جان لوك ميلانشون المؤيّد للفلسطينيين، فيما منعت شرطة باريس تنظيم تظاهرة بمناسبة الذكرى الثالثة لهجوم السابع من أكتوبر تجنّباً لتوسيع قاعدة الاحتجاجات الطالبيّة. كذلك، احتدّت التباينات في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي بعدما كتب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على منصّته «تروث سوشال»، أن ما يحدث في فرنسا «ليس متعلّقاً بالمدارس، بل بالإسلام الذي يريد السيطرة على دولة كانت عظيمة ذات يوم»، عازياً الاضطرابات إلى «الهجرة الجماعية التي خرجت عن السيطرة»، في خطاب يتماشى مع توجّهاته المعادية للمهاجرين، والتي يسعى لتزخيمها عشية انتخابات التجديد النصفي في بلاده. لكن هذا التوصيف لم يجد صدًى لدى المسؤولين في باريس؛ إذ ردّ وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، بالقول إن فرنسا تعمل على كتابة قصّتها بنفسها، محذّراً من أن المنافسين والخصوم والشركاء جميعاً يحاولون تفسير الحركة الاحتجاجية بطريقتهم الخاصة.
وكان لوكورنو أعلن أن السلطات ستتعامل مع مطالب الطلاب بوصفها «مشروعة»، ووجّه وزراءه بمعالجة أولوياتهم، ومن بينها ضمان تعويض المعلّمين الغائبين، ومراجعة طول اليوم الدراسي الممتدّ من الثامنة صباحاً حتى السادسة مساءً، وتقييم الحاجة إلى فترات غداء أطول. كما تعهّد بمعالجة مشكلات المباني المدرسية المتقادمة، وطلب من الوزراء تقديم مقترحاتهم الأولى بحلول نهاية الشهر الحالي. كذلك، أعلن لوكورنو تعليق الدروس النظامية يومَي الخميس والجمعة، حتى يتمكّن مديرو المدارس من عقد جلسات حوار مع الطلاب، قائلاً: «لا يمكننا إدانة العنف خارج المدارس الثانوية إذا لم نمنح مساحة للحوار السياسي، بالمعنى النبيل للكلمة، داخل كلّ مدرسة». أيضاً، وفي محاولة لاحتواء الغضب، عقد الرئيس إيمانويل ماكرون اجتماعاً طارئاً مع رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والتربية (مساء الثلاثاء)، في محاولة لتنسيق إجراءات الحكومة، فيما أعلن وزير التربية، إدوار جيفريه، إلغاء خطط لزيادة بعض رسوم التسجيل في التعليم العالي – التي كانت مُقرَّرة ضمن موازنة 2027 -، كما وإطلاق استطلاع وطني إلكتروني لطلاب الثانوية للتعبير عن هواجسهم من دون التصريح بأسمائهم. غير أن قادة الحراك الطالبيّ اعتبروا تلك الإجراءات «ستاراً دخانياً»، مؤكدين استمرارهم في انتفاضتهم.
تعبّر الاضطرابات الحالية عن أزمة بنيوية متفاقمة يعيشها المشروع الأوروبي ما بعد الحرب العالمية الثانية
وتعود جذور هذه الاحتجاجات إلى أزمة مالية عميقة تعيشها فرنسا منذ عقدَين، تفاقمت بارتفاع تكاليف الاقتراض وصعود أسعار الوقود وعدم الاستقرار السياسي. ويقف الدين العام الفرنسي عند نحو أربعة تريليونات دولار، أي ما يعادل 119 في المئة من الناتج الاقتصادي السنوي، مع توقّعات بارتفاع تكلفة خدمته إلى نحو مئة مليار دولار بحلول عام 2027. ويتوازى ذلك مع ارتفاع عائدات السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى نحو خمسة في المئة – وهو من أعلى المستويات في الاتحاد الأوروبي -، في ما يمثّل أوضح إشارة على تراجع ثقة المستثمرين في قدرة الحكومة على إدارة التحدّيات المتصاعدة. ولا تقتصر الضغوط على أسعار الطاقة، بل تواجه الميزانيات العامّة ارتفاعاً في تكاليف الرعاية الصحّية والمعاشات بسبب شيخوخة السكان، وزيادة في الإنفاق العسكري مدفوعةً بالحرب في أوكرانيا وتراجع الالتزامات الأميركية تجاه الأمن الأوروبي.
في السياق نفسه، يشير المحلّلون إلى أن النظام التعليمي الفرنسي يعاني تفاوتاً اجتماعياً حادّاً؛ إذ يقلّ احتمال تمكّن الطفل المولود في حيّ محروم، من تجاوز خلفيته الاجتماعية والاقتصادية مُقارنة بمعظم الدول المتقدّمة، وذلك وفقاً لـ«منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» – التي تضمّ 38 دولة -. كما ثمّة فجوة جليّة بين أداء الطلاب الأكثر والأقلّ حظّاً وبين المدن الكبرى والمناطق الريفية، فيما متوسّط حجم الفصول في المدارس يبلغ 29 طالباً مقابل 26 (كمتوسّط) في دول المنظمة، التي يتقدّم أداء طلّابها، أيضاً، على نظيره لدى الطلاب الفرنسيين، وفق ما تُظهِره نتائج تقييمات حديثة.
وتأتي هذه الاحتجاجات في ظلّ اضطراب سياسي مُستدام، عنوانه عدم امتلاك الرئيس إيمانويل ماكرون وحلفائه أغلبية برلمانية منذ انتخابات 2024. وبالتزامن مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المُقرّرة في الربيع المقبل، يواجه لوكورنو مهمّة شاقة في محاولته تمرير موازنة تقشّفية تتضمّن تجميد الإنفاق على بعض البرامج الاجتماعية – من مثل المساعدات السكنية وإعانات الأسرة -، ورفع بعض الضرائب. وبحسب محلّلين، فإن رئيس الوزراء قد يضطرّ إلى استخدام صلاحيات خاصة لتمرير الموازنة، وهو ما يتطلّب ضمان عدم عرقلة «حزب التجمع» – أقصى اليمين – بزعامة مارين لوبان، الذي يمتلك 118 مقعداً من أصل 577 في الجمعية الوطنية، للأمر. وطرحت لوبان، التي تتصدّر استطلاعات الرأي عشية الانتخابات الرئاسية – وهو ما يثير قلق الأسواق المالية -، الثلاثاء، أجندتها الاقتصادية، متعهّدةً بخفض الإنفاق الحكومي بمقدار 140 مليار يورو بحلول عام 2032، مع حماية الإنفاق على التعليم. ويرى مراقبون أن فوزها المحتمل يثير أسئلة أساسية حول مستقبل مساهمة فرنسا في موازنة الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أن لوبان تتحدّث عن «لحظة 2016» فرنسية، في إشارة إلى استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد (البريكست). في المقابل، يحتلّ ميلانشون موقعاً متقدّماً في استطلاعات الرأي بين الناخبين الشباب؛ إذ أظهر أحدثُها أن 47 في المئة من المستطلعين الذين تقلّ أعمارهم عن 35 عاماً يعتزمون التصويت له. وسبق أن دعا ميلانشون أنصاره إلى المشاركة في الاحتجاجات، متجاهلاً الاتهامات الحكومية له بالتحريض على العنف، قائلاً: «يشهد بلدنا أقوى حركة للطلاب الجامعيين وطلاب الثانويات منذ مايو 1968». غير أن صور المدارس المحترقة والاشتباكات مع الشرطة باتت تهدّد بتراجع شعبيته لدى طيف الناخبين الأوسع، حيث أظهر الاستطلاع نفسه أن 73 في المئة يستبعدون التصويت له.
ويندرج خريف الغضب الفرنسي في سياق تاريخي طويل من الانتفاضات الطالبيّة في الجمهورية، من أيار 1968 الذي كاد يطيح بالحكومة ويغيّر المجتمع الفرنسي، إلى حراك «السترات الصفراء» بين عامَي 2018 و2020 الذي بدأ كاحتجاج على ارتفاع أسعار الوقود، وتحوّل إلى مطالب بالعدالة السياسية والاقتصادية. ويعتبر المحللون أن التشابه بين الوضع الحالي وفترة «السترات الصفراء» واضح، خصوصاً لناحية تصاعد أسعار النفط والغاز نتيجة العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، والذي دفع ماكرون إلى عقد اجتماع لقادة «مجموعة السبع»، تمّ الاتفاق خلاله على إطلاق 100 مليون برميل من الديزل والنفط الخام من المخزونات الاستراتيجية لتهدئة الأسعار، وذلك بعدما هدّد الرئيس الأميركي بوقف تصدير الديزل من بلاده إن لم يتحرّك الأوروبيون في الاتجاه المُشار إليه.
وفي المُجمل، تعبّر الاضطرابات الحالية عن أزمة بنيوية متفاقمة يعيشها المشروع الأوروبي ما بعد الحرب العالمية الثانية. فدولة الرفاه السخية، التي طالما مثّلت محور الهوية الفرنسية، تواجه الآن لحظة مؤلمة، فيما من المؤكد أن ما يحدث في فرنسا لن يظلّ طويلاً شأناً فرنسياً داخلياً، بل سيمسّ بروكسيل وبرلين، خصوصاً أن الاقتصاد الفرنسي يمثّل ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو وركيزة أساسية في محرّكها الفرنسي – الألماني. إزاء ذلك، ومع استنفاد «الماكرونية» نفسها بوصفها مشروعاً سياسياً، وتحوّلها بشكل متزايد إلى عبء يثقل المشهدَين الفرنسي والأوروبي، بات استمرار ماكرون في منصبه أقرب إلى كونه جزءاً من الأزمة ومضيعة للوقت. ولعلّ استقالة مبكرة من جانبه قد تكون الخيار الأقلّ كلفة لفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية تضبط التوازنات الدستورية، وتعيد الثقة إلى المواطنين الفرنسيين والشركاء الأوروبيين على حدّ سواء. وبغير ما تقدّم، ستظلّ فرنسا أسيرة التخبّطات، أقلّه حتى ميعاد الاستحقاق الرئاسي في الربيع المقبل.




