
في إسرائيل انتخابات مقرّرة في تشرين الأوّل المقبل، ومعركة انتخابيّة شرسة قد تطيح برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وتُعدّ ورقة الأمن من أبرز الأوراق التي تُخاض عليها الانتخابات، فيما يزداد، مع اقتراب موعد الاقتراع، البحث عن صورة “القائد الذي يحمي إسرائيل”. في هذا السياق تحديداً، جاء التسريب الذي نشرته صحيفة “هآرتس”، ومفاده أنّ نتنياهو يسعى إلى إنجاز اتّفاق تطبيع مع المملكة السعوديّة قبل الانتخابات، وأنّه أبلغ مساعديه بأنّه بحاجة إلى “إنجاز آخر” يعزّز موقعه أمام الناخبين.
إذا كان تحقيق اختراق في مسار التطبيع مع المملكة السعودية يبدو مهمّة مستحيلة في المرحلة الراهنة، فلا بدّ من البحث عن “الإنجاز” الآخر الذي يريده نتنياهو. فهل يكون لبنان هو “الإنجاز” الذي يسعى إلى تحقيقه قبل موعد الانتخابات؟
القراءة الدبلوماسيّة التي تواكب الاتّصالات الجارية لا تستبعد هذا الاحتمال. فالأشهر القليلة الفاصلة عن الانتخابات الإسرائيليّة تبدو، بالنسبة إلى أكثر من عاصمة معنيّة، المرحلة الأكثر حساسيّة منذ وقف الحرب. وليس ذلك لأنّ قراراً إسرائيليّاً بالعودة إلى الحرب قد اتُّخذ، بل لأنّ إسرائيل لم تعد تقبل بإدارة الملفّ اللبنانيّ كما في السابق. فإمّا أن يتحوّل هذا الملفّ إلى إنجاز سياسيّ وأمنيّ يمكن لنتنياهو تقديمه إلى الناخب الإسرائيليّ، وإمّا أن يعود إلى الميدان، ولا سيما في المناطق التي تُعدّ الأكثر استراتيجيّة بالنسبة إلى الطرفين، “الحزب” وإسرائيل. وتتمثّل هذه المناطق، كما بات معروفاً، في تلال عليّ الطاهر التي يُقال إنّ “عماد 4” قد أُقيم فيها، وصولاً إلى محور الريحان- سجد- جزّين حيث تبدو المهمّة الإسرائيليّة أكثر صعوبة وتعقيداً.
آيزنكوت… المنافس الذي يرفع سقف المواجهة
لا يخوض نتنياهو الانتخابات هذه المرة في مواجهة خصوم سياسيّين فقط، بل في مواجهة جنرالات أيضاً. ومن بينهم يبرز رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، الذي يختلف عن نتنياهو في أمر أساسيّ: علاقته بلبنان لم تكن سياسيّة بقدر ما كانت ميدانيّة.
شارك آيزنكوت في اجتياح لبنان سنة 1982، وخدم سنوات طويلة في قيادة المنطقة الشماليّة، وكان من أبرز الضبّاط الذين تولّوا إدارة المواجهة مع “الحزب”، قبل أن يصبح رئيساً للأركان. وخلال تلك المرحلة، ارتبط اسمه بما عُرف بـ”عقيدة الضاحية”، القائمة على استخدام قوّة ناريّة هائلة ضدّ البنية التحتيّة المدنيّة لردع الخصم، وهي العقيدة التي يرى كثير من الخبراء العسكريّين أنّها لا تزال تحكم جانباً كبيراً من الأداء الإسرائيليّ في جنوب لبنان حتّى اليوم.
لا يقتصر الأمر على سيرته العسكريّة. فقد خسر آيزنكوت ابنه الأصغر في حرب غزّة، وفقد اثنين من أبناء شقيقته في المعارك نفسها. وهي خسائر جعلته، داخل المجتمع الإسرائيليّ، رمزاً للقائد الذي دفع ثمناً شخصيّاً بسبب الحرب.
لا يمكن الجزم أنّ هذه الوقائع ستحدّد خياراته السياسيّة أو العسكريّة مستقبلاً، لكنّ المؤكّد أنّ وجود شخصيّة عسكريّة بهذا الوزن في السباق الانتخابيّ يدفع النقاش الإسرائيليّ أكثر فأكثر نحو الملفّ الأمنيّ، ويزيد الضغوط على نتنياهو لإثبات أنّه لا يقلّ حزماً عن منافسيه في مواجهة “الحزب”.
انطلاقاً من هذا المعطى وغيره، تحوّل الملفّ اللبنانيّ إلى أكثر من ملفّ حدوديّ. إنّه جزء من المنافسة على رئاسة الحكومة، وجزء من معركة إثبات من هو القادر على إنهاء التهديد الآتي من الشمال.
اتّفاق ينهي السّلاح… أو حرب تنهي المرحلة
في الكواليس الدبلوماسيّة، يكاد يتشكّل انطباع بأنّ نتنياهو دخل مرحلة مختلفة في مقاربته للبنان، تحديداً قبل الانتخابات الإسرائيليّة. فالهدف لم يعد الاكتفاء بمنع إطلاق النار أو احتواء الاشتباكات، بل إنهاء الملفّ بصورة كاملة.
من هذا المنطلق، وتزامناً مع مفاوضات روما، وقبل أن تدخل إسرائيل بالكامل في المنافسة الانتخابيّة يسعى نتنياهو إلى إنتاج حلّ يكون عنوانه الكبير “استكمال الانسحاب الإسرائيليّ، مقابل آليّة واضحة تضع السلاح غير الشرعيّ (في لبنان) على سكّة المعالجة”، بما يسمح لنتنياهو أن يُقدّم ذلك على أنّه الإنجاز الأمنيّ الذي أنهى أخطر جبهة تهدّد شمال إسرائيل.
اكتشاف المزيد
أخبار العالم
السياسة (التيار اليميني)
أخبار الجيش الإسرائيلي
لكن في المقابل، لا يغيب السيناريو الآخر عن النقاش. فبحسب معلومات “أساس”، قال رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون أمام وفد زاره أخيراً إنّ أيّ حرب مقبلة، إذا اندلعت نتيجة دخول “الحزب” في جبهة إسناد جديدة لإيران، ستكون حرباً مدمّرة بالكامل، ولن تكون لها السقوف التي عرفها لبنان في الجولات السابقة.
إلّا أنّ القراءة الدبلوماسيّة تذهب أبعد من ذلك، فتعتبر أنّ عدم انخراط “الحزب” في معركة إسناد جديدة قد لا يكون كافياً بحدّ ذاته لتجنّب الحرب. فالمعيار الإسرائيليّ لم يعد مرتبطاً فقط بمنع توسّع المواجهة الإقليميّة، بل بإقفال ملفّ “الحزب” نهائيّاً من زاوية السلاح والدور العسكريّ.
لهذا تبدو الأشهر المقبلة أشبه بسباق بين مسارين: مسار سياسيّ تحاول واشنطن من خلاله إنتاج اتّفاق يسمح لإسرائيل بالانسحاب وللدولة اللبنانيّة بتولّي مسؤوليّاتها الأمنيّة كاملة، ومسار عسكريّ يزداد حضوره كلّما تأخّر تنفيذ هذا الهدف.
بالتالي، بين اتفاق يستطيع نتنياهو أن يقدّمه على أنّه أنهى تهديد “الحزب”، وبين حرب قد يعتبرها الطريق الوحيد لتحقيق النتيجة نفسها، يقف لبنان أمام الأشهر الأكثر حساسيّة منذ نهاية الحرب الأخيرة.
بين عليّ الطّاهر وجبل الرّيحان
يُمسك “الحزب” اليوم بإحدى أهمّ الأوراق: تلال عليّ الطاهر، حيث أنشأ القائد العسكريّ الراحل في “الحزب” عماد مغنيّة ما عُرف بمنشأة “عماد 4”. لذلك يتمسّك “الحزب” بهذه المنطقة باعتبارها ورقة تفاوضية من الوزن الثقيل قادرة، من وجهة نظره، على انتزاع انسحاب إسرائيليّ كامل من الأراضي اللبنانيّة، لا ورقة تُستهلك في تسوية محدودة أو تُصرف بأقلّ من قيمتها السياسيّة والعسكريّة.
في المقابل، يبدو أنّ إسرائيل تلعب الورقة نفسها من الجهة المقابلة، مع حديث متزايد عن إقفال منافذ المنشأة ومحاصرة المقاتلين الموجودين فيها، في محاولة لتحويلها من عنصر قوّة بيد “الحزب” إلى نقطة ضغط عليه.
لذلك تبدو تلال عليّ الطاهر مرشّحة لأن تكون أولى ساحات الاشتعال في أيّ مواجهة مقبلة، وقد تتحوّل، في الوقت نفسه، إلى أولى أوراق التفاوض إذا فُتح الباب أمام تسوية جديدة.
في هذا المناخ، يتوجّه الوفد اللبنانيّ الرسميّ إلى روما لبدء أولى جلسات التفاوض، في أيّام يصفها أحد الدبلوماسيّين المشاركين بأنّها ستكون “ماراتونيّة”. فالملفّات الأمنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وصولاً إلى الخرائط والمساحات الميدانيّة، ستكون جميعها على طاولة البحث، فيما يخوض لبنان هذه المفاوضات على وقع تصعيد إقليميّ متواصل يمتدّ من إيران إلى لبنان.
إلّا أنّ الكواليس الدبلوماسيّة لا تبدي تفاؤلاً كبيراً بإمكان نجاح هذه الجولة، إذ ترجّح أن تكون قدرة المفاوضات على احتواء التصعيد محدودة، في ظلّ كثافة الألغام السياسيّة والعسكريّة التي تحيط بها، وتداخل الحسابات الإقليميّة مع تفاصيل الملفّ اللبنانيّ.



