اخبار محلية

​إبراهيم حنا الضاهر: صوت العقل والدرس الديغولي في إدارة الأزمات المصيرية

بقلم: ​أدهم رضوان

​تَمُرُّ المنطقة، وفي قلبها لبنان، بشرارة تحولات كبرى ومصيرية لا تهدد فقط التوازنات السياسية القائمة، بل تضع مفهوم “الكيان الوطني” نفسه أمام اختبار الوجود والعدم. وفي اللحظات التي تتصاعد فيها نبرات التعبئة، وتطغى على المشهد لغة العصبيات والمشاريع الانفعالية، يتراجع صوت العقل لصالح الصراخ، وتتحول المجتمعات المتعبة إلى بيئات خصبة لدعوات التقسيم والانعزال.
​في هذا التوقيت الفارق من تاريخ لبنان، تبرز تجربة ومواقف الوزير السابق الشيخ إبراهيم حنا الضاهر بوصفها امتداداً واعياً لمدرسة “الرشد السياسي”؛ مدرسة ترى أن الأوطان لا تُحمى بالغرائز الانفعالية، بل بالرؤية الوطنية الجامعة التي تدرك كنه هذا الشرق وتعقد الرهان على الدولة ومؤسساتها.
​ابن بشري.. والوعي الكياني الأصيل
​إن القراءة الفكرية للشيخ الضاهر لا تفصل بين إرثه السياسي وجذوره الممتدة في “بشري”؛ هذه الجغرافيا الشمالية العريقة المعلقة على كتف الأرز، والتي لم تكن يوماً مجرد بلدة معزولة، بل تشكّل جزءاً محفوراً في الوجدان التاريخي للفكرة اللبنانية. فمن تلك الجبال الصلبة التي صاغت مفهوم البقاء، خرج دائماً رجالاتٌ رأت في لبنان رسالة حرية وتعدد وتلاقٍ، لا ساحة للاقتتال أو الانكفاء. ومن هذه المدرسة بالذات، يستمد الضاهر خطابه الهادئ، مؤكداً أن الحكمة في زمني الحرب والأزمات ليست ضعفاً سياسياً، بل هي أعلى درجات الشجاعة والمسؤولية التاريخية.
​الإطلالات الإعلامية والمواقف: حماية الكيان ضد التقسيم
​تبدو الإطلالات الإعلامية للوزير الضاهر بمثابة مساحة للتفكير العميق والتصدي العقلاني للانهيار النفسي والسياسي الذي يهدد الداخل اللبناني. ففي الوقت الذي تعوّض فيه بعض الأصوات عن العجز بلغة التحريض، وتطرح مشاريع “الفدرالية” أو تقاطع الخرائط بدعوات التقسيم والتفكيك، يصرّ الضاهر في كافة مواقفه على ثنائية حاسمة: وحدة الكيان اللبناني، وثبات وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف).
​بالنسبة للضاهر، فإن صيغة العيش المشترك واحتضان كافة المكونات اللبنانية تحت مظلة دولة المواطنة والسيادة ليست مجرد خيار سياسي مرحلي، بل هي جوهر العقد الاجتماعي والوجودي للبنان. إن إسقاط هذه الصيغة لصالح طروحات الفرز الطائفي هو بمثابة تقديم مجاني لأوراق اعتماد للمشاريع التي تبغي تفتيت المنطقة.
​”إن الأوطان لا تُدار بأسلوب الثأر والفرز، بل بمنطق الشراكة الوطنية التي تستوعب الجميع داخل بوتقة وطنية واحدة.”
​إدارة رجال الدولة: الدرس الديغولي واحتواء المكونات
​تُذكرنا رؤية الضاهر الوطنية بمنطق كبار رجالات التاريخ ممن أدركوا أن بناء الدولة عقب الهزات الكبرى لا يستقيم بإلغاء الآخر أو الشطب السياسي. ولعل في تجربة الجنرال شارل ديغول بعد الحرب العالمية الثانية عبرة جلية؛ فبالرغم من التمايز الأيديولوجي والارتباط العقائدي لأحد الأحزاب الفرنسية حينها بـ “موسكو”، إلا أن ديغول احتضن هذا الحزب العقائدي واعتبره جزءاً من المقاومة الوطنية التي دافعت عن التراب الفرنسي ضد الاحتلال النازي، وعمل على إدماجه في الحكومة الانتقالية لبناء الدولة.
​إن هذا الدرس التاريخي يقع في صلب المقاربة التي ينادي بها إبراهيم حنا الضاهر:
​التمييز بين التباين السياسي والواجب الوطني: صون التعددية والعيش المشترك يستوجب بناء جسور الحوار واحتضان كافة الشرائح اللبنانية ضمن مشروع الدولة الجامعة.
​الاستثمار في السلم الأهلي: حماية لبنان من التداعيات الإقليمية تحتم التمسك بالطائف والدستور كإطار مرجعي يضمن التوازن والاحتواء بدلاً من الفوضى والإقصاء.
​إعادة إعمار العقل السياسي اللبناني
​إن لبنان اليوم لا يحتاج إلى إعادة إعمار حجاره وبنيته التحتية فحسب، بل هو بأمسّ الحاجة إلى إعادة إعمار العقل السياسي اللبناني. وفي هذا السياق، يمثل الشيخ إبراهيم حنا الضاهر نموذجاً للقامة الكيانية والقومية؛ قامة ترفض الانسياب مع الموجات الشعبوية، وتدرك أن حماية العقل هي خط الدفاع الأول عن حماية الوطن.
​إن الحفاظ على لبنان بوصفه قيمة حضارية وثقافية وإنسانية فريدة يتطلب التمسك بأمثال هؤلاء الرجال الذين يملكون شجاعة الحكمة ورصانة الموقف، ويمسكون ببوصلة الدولة في زمن التحولات الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى