اخبار محليةالرئيسية

بين السيد حسن والسيد هاشم: حين تتشابه الوجوه ويبقى الطريق واحداً

حسن آغا - الاخبار

لم تكن المشاهد التي تُبثُّ للسيد وهو ممسك بالميكروفونات الموصولة مع بعضها البعض بواسطة اللاصق قابلة للتمييز، أصرخُ هذا السيد حسن نصر الله، فيقال لي هذا السيد عباس رحمه الله، لقد استشهد… بعد قليل أنظر إلى السيد عبّاس متحسراً فيقال لي هذا السيد حسن نصر الله حفظه الله.

لم تكن المهمة سهلة لطفل بعمر 5 سنوات التمييز بين السيدين آنذاك في حدّة المواقف وبلاغة الشعارات وفي حركات اليدين وفي الانفعال البادي على وجهي السيدين الجليلين. ومع تلك المؤثرات الموجودة في الخلفية من موسيقى ثورية وأناشيد وصور للمقاومين كان الأمر شاقاً، وكان مفيداً وكاشفاً على ثبات الخطى ووضوح الطريق.

لاحقاً وفي مراحل أخرى، سطع نجم السيد هاشم وتعزز حضوره، وقارب بشبهه السيد حسن نصر الله، حتى قال، جمهور الحزب ومؤيدوه غير المقربين، أنّ السيد هاشم «يقلد السيد حسن» في حركاته وحتى في لحيته ومخارج حروفه.

مع اقترابي أكثر، ومشاركتي في الأنشطة الجامعيّة والندوات، اكتشفتُ أدب السيد هاشم مع السيد حسن نصر الله، وهذا التكامل العاطفي والعملي الموجود بين الرجلين، ولأكثر من مرّة ألغى السيد هاشم اللقاء معنا بسبب وجود كلمة للسيد حسن قائلاً: «لا أتحدث في اليوم الذي يلقي السيد حسن خطاباً».

كان السيد هاشم ضنيناً بالطلاب الجامعيين يتعاطى معهم وكأنّهم كوادر في الحزب في الصفوف المتقدّمة

كنّا على احتكاكٍ بالسيد هاشم، عوّض بحضوره المباشر ما حُرمنا منه مع السيد حسن، التقطنا معه الصور، وتبادلنا أطراف الأحاديث، وأفرد لنا مساحاتٍ كبيرة من وقته للحديث عن مختلف القضايا، التي لم تطرح في أي مكانٍ آخر.

كان السيد هاشم ضنيناً بالطلاب الجامعيين، يتعاطى معهم وكأنّهم كوادر في الحزب في الصفوف المتقدّمة، يعطيهم من الوقت والجهد والتحضير، يقترح عليهم الكتب للمطالعة، ينصحهم بالبرامج العبادية وبرامج تزكية النفس المفيدة. يطالب القائمين على التعبئة التربوية بتوسيع أفق الطلاب وتنويع الشخصيات التي تحضر في «المنتدى الجامعي» من غير الشخصيّات الحزبيّة (حضر في هذه اللقاءات كريم بقرادوني، فواز طرابلسي، نصري الصايغ، الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله، المطران جورج خضر، الأب كميل مبارك وآخرون).

كان السيد هاشم يطالب القائمين على التعبئة التربوية بتوسيع أفق الطلاب (هيثم الموسوي)
كان السيد هاشم يطالب القائمين على التعبئة التربوية بتوسيع أفق الطلاب (هيثم الموسوي)
كانت للسيد حسن إطلالات مع الكوادر الحزبيّة، ومرات قليلة بعد عام 2006 مع الطلاب الجامعيين بسبب ظروفه الأمنيّة، وبسبب حضور كل من الشيخ نعيم، والسيد هاشم والحاج محمد رعد الذين كانوا ينشطون في هذه الساحات ويعوضون غياب السيد حسن عنها.

في آخر لقاءات السيد حسن نصر الله الداخليّة، التقى بكل قطاعات الحزب أو ما يعرف بالمجالس، منح كلاً منهم ساعاتٍ من وقته، تطرق إلى مواضيع حساسة في لبنان والمنطقة وخيارات الحزب ومستقبله، واختتم هذا المسار بجلساتٍ ثمانٍ مع مجموعة من الكوادر الحزبيين من مختلف المجالات، كوادر ليسوا عسكريين، لكنّهم قادرون على العمل العسكري، ونقل لهم «تجربة حزب الله»، متحدثاً عن إلحاح السيد هاشم صفي الدين عليه لإجراء هذه اللقاءات. متحدثاً بأمورٍ داخليّة خاصّة وحساسة، اشترط في أول لقاءٍ لاستمرار الجلسات أن لا تتسرب كلمة واحدة مما سيقال، وبالفعل لم يتسرب شيء، واستمرت الجلسات وكان آخرها الجلسة الثامنة في 5 أكتوبر من العام 2023، كانت عبارة عن إجابة عن أسئلة الحضور التي أرسلت إلى سماحته، لم يختصر، لم يلغِ أي سؤال، لم يوارب في الإجابة، كان واضحاً وثابتاً وقال كلاماً للتاريخ، واستمع إلى كلامه المئات.

وعلى مدى حرب الإسناد، وفيما تراجعت لقاءات السيد حسن الداخلية، كان السيد هاشم صفي الدين قادراً على إلقاء المحاضرات والمشاركة في الاحتفالات، وكذلك أفرد الشيخ نعيم قاسم مساحةً من وقته للقاء قطاعات من الإخوة والأخوات بعناوين قيادية وسياسيّة حساسة، امتاز فيها – كما كل حديثه – بالوضوح والمباشرة وإعطاء الجرعة المناسبة، وهو الذي كان حاضراً على الدوام أيضاً في الساحة الجامعيّة يلتقي بالطلاب ويقدّم المحاضرات، وكتب عن حزب الله ما لم يكتبه أحدٌ من كوادره حتى تاريخه، بجرأته ووضوحه.

أعود إلى تلك اللحظة، بعدما كفكفت دموعي بعد نعي السيد حسن نصر الله، سألني من أرشدني يوماً إلى الفرق بين صورة السيد حسن والسيد عباس، ما العمل؟ قلت له بقلبٍ حزين على وقع الفاجعة، وثبات العارفين بـ «طريق حزب الله»: السيد هاشم موجود والأمور تبقى على حالها.

غاب السيّد هاشم صفي الدين وأفجع قلوبنا، واحتشدنا بعد أشهر خلف النعشين، صورتان متشابهتان، وإلى جانبهما صورة الشيخ نعيم قاسم وفوقنا الطائرات وحولنا القبضات، وقد قاربتُ الأربعين من عمري. ولم أستطع أن أميّز السيد عباس، السيد حسن، السيد هاشم والشيخ نعيم عن بعضهم البعض. هؤلاء الذين نظروا إلى القيادة بوصفها مسؤوليّة فأعطوا الكثير من وقتهم وجهدهم لبناء المجتمع وكودرة جيل الشباب وليس لتسيّد حالة سياسية سعياً إلى المناصب والمغانم… وما بدّلوا تبديلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى