العلمانية ليست معاداة للأديان: عن السخرية والتعصب الإلحادي
بقلم: رامي شحرور

تتكرر في الفضاء الإعلامي والمسرحي اللبناني عروض استعراضية تتخذ من مهاجمة الأديان والسخرية من عقائد الناس مادة أساسية للإثارة، وتأتي عروض الكوميدية شادن فقيه في مقدمة هذه الظاهرة. غير أن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في مضمون ما يُقدَّم، بل في المحاولة المضللة لإدراج هذا السلوك تحت مظلة العلمانية، وهو تصنيف مجانب للحقيقة تماماً؛ فالإساءة المجانية للمقدسات لا تعبر عن توجّه مدني، بل تعكس خفة فكرية وتفلتها من أصول الخطاب المسؤول.
وفي هذا السياق، تظهر خطورة هذا الطرح بسبب الخلط المفاهيمي الواضح؛ فالأديان السماوية تحمل قيمًا مناقضة للتعصب، والمشكلة ليست في الدين بل في الاستغلال السياسي والطائفي له. والوعي الوطني الحقيقي يقتضي رفض الإلحاد المتعصب، والمادية الجافة، وكره الأديان، واعتبار أن مهاجمة الأديان أو السخرية منها ليست علمانية ولا تدل على وعي، بل هي شكل آخر من أشكال التعصب والجهل. فالتعصب الإلحادي ليس سوى الوجه الآخر للتعصب الديني والطائفي؛ كلاهما ينطلق من المنطق الإقصائي نفسه، وكلاهما يلغي الآخر ويرفض التنوع، مما يجعلهما خطراً متساوياً على السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي.
ومن هنا، يبرز الفارق الشاسع بين المسعى الوطني الجامع وبين من يستسهل تجريح مشاعر المواطنين طلباً للانتشار؛ فالموقف الأخلاقي الثابت ينطلق من قاعدة أن الإيمان لا يُحارَب، بل المحارَبة يجب أن تكون لاستغلال الدين في السياسة والتفرقة بين المواطنين. فالعلمانية ليست معاداة للدين، بل هي وضعه في مكانه السامي الروحي والأخلاقي، وتحرير السياسة من الاستغلال الطائفي. فالدين حقيقة روحية تهذب النفس وتجمع البشر على الحق والخير والجمال، وما يوجبه الفكر الوطني هو احترام كل إيمان صادق، والإخاء بين أبناء الوطن الواحد مهما اختلفت معتقداتهم.
وعلى الصعيد القانوني، وبالرجوع إلى القوانين المرعية الإجراء في لبنان، يلحظ التشريع مواد صريحة لحماية السلم الأهلي، كالمادة 317 من قانون العقوبات التي تحظر إثارة النعرات الطائفية، والمادة 473 التي تجرّم تحقير الشعائر الدينية علناً. ورغم أهمية هذه الأطر التشريعية، إلا أن الرادع الحقيقي في نهاية المطاف لا ينبغي أن يكون نص المادة القانونية أو خشية الملاحقة القضائية؛ بل إن الرادع الأصيل هو مناقبية الشخص وحرصه الذاتي على احترام مشاعر غيره في الوطن.
وبناءً على ذلك كله، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي مناهضة كل أشكال التعصب، سواء خرجت من منابر طائفية أو ارتدت عباءة السخرية والكوميديا الاستعراضية، حمايةً للنسيج الاجتماعي وصوناً لكرامة الإنسان.




