اخبار محليةالرئيسية

إسرائيل تصعّد: من التهجير إلى إعادة هندسة الجنوب

الأخبار

التهديدات الإسرائيلية للبنان لم تعد تقتصر على التحذير من تدخل حزب الله في أي مواجهة إقليمية، بل باتت تترافق مع تصورات تتناول مستقبل الجنوب وسكانه. ومع تصاعد الحديث عن احتمال استئناف الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، يسعى العدو إلى وضع لبنان أمام احتمال مواجهة تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، نحو فرض وقائع وترتيبات جديدة على الأرض، في ظل غياب أي تسوية واضحة تضمن الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين إلى قراهم.

ويعكس كلام رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو عن عزمه القضاء على حماس وحزب الله وإسقاط إيران خلال العامين المقبلين، توجهاً إلى التعامل مع هذه الجبهات بوصفها أجزاء من مواجهة واحدة. أما وزير الحرب يسرائيل كاتس، فتجاوز التهديد العسكري المباشر إلى التلويح بخسارة حزب الله مزيداً من الأراضي في الجنوب إذا انضم إلى إيران في مهاجمة إسرائيل. وجدد رفض الانسحاب من المناطق التي يحتلها الكيان في لبنان وسوريا، ولوّح بإخلاء السكان من مساحات واسعة تمتد حتى نهري الأولي والزهراني، وباستهداف البنى التحتية في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، بما قد يؤدي، وفق تهديداته، إلى نزوح أكثر من مليون شيعي داخل لبنان.

وفي موازاة ذلك، نقل موفدون أجانب إلى السلطات اللبنانية أن عدواناً جديداً على إيران بات وشيكاً، مع تكرار الرسالة التي سبقت الجولة السابقة من الحرب، ومفادها أن على السلطات اللبنانية منع حزب الله من التدخل في أي مواجهة مقبلة.

وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن الوزير السابق أفيغدور ليبرمان مخاوفه من إقدام نتنياهو على عمل عسكري ضد إيران أو حزب الله أو حماس قبل الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول، معتبراً أن دوافع هذه الخطوة ترتبط ببقائه في السلطة أكثر مما ترتبط بالاعتبارات الأمنية.
لكن دلالات التهديدات لا تُقرأ من التصريحات وحدها، بل أيضاً من حجم التغيير الذي أصاب القرى الحدودية بالفعل. فقد أظهرت مراجعة أجرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، استناداً إلى صور الأقمار الاصطناعية وأدلة بصرية، أن 48 قرية وبلدة من أصل نحو 60 في المنطقة الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي تعرضت لدمار واسع شمل المنازل والبنى التحتية والأراضي الزراعية. ولفت التقرير إلى أن القرى الأكثر تضرراً تكاد تكون جميعها ذات غالبية شيعية.

العدو يرسل تحذيرات من مشاركة حزب الله في أي حرب جديدة متوقعة بين إسرائيل وإيران

وتفتح هذه المعطيات نقاشاً يتجاوز نتائج العمليات العسكرية إلى أثرها الطويل الأمد في التركيبة السكانية وإمكان استعادة الحياة في المناطق المتضررة. ومن هنا، تكتسب التهديدات بإخلاء مناطق إضافية أهمية خاصة، إذ تأتي في سياق ميداني شهد بالفعل خسائر واسعة، ما يجعل المخاوف من تكريس واقع سكاني جديد جزءاً من النقاش حول مستقبل الجنوب.
وفي موازاة الوقائع العسكرية، ظهر في الصحافة الإسرائيلية تصور مختلّ. فقد طرحت «يديعوت أحرونوت» فكرة إقامة منطقة تجارة حرة في جنوب لبنان، بمشاركة لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة واستثمارات دولية، على أن تبقى الأرض لبنانية، فيما تخضع المصالح الاقتصادية لشراكة تمنح الأطراف المشاركة نفوذاً في تحديد الاستثمارات والجهات المستفيدة منها. ويربط التصور أي ترتيب من هذا النوع بالشروط الأمنية الإسرائيلية ونزع سلاح حزب الله، لكنه لا يشكل اتفاقاً قائماً أو خطة حكومية معلنة.

وفي السياق، أعادت زيارة وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا إلى بيروت تسليط الضوء على ملف «اليونيفل»، في ظل اقتراب انتهاء مهمتها بصيغتها الحالية وعدم حسم شكل الحضور الأممي الذي قد يحل مكانها. وأبلغ لاكروا المسؤولين اللبنانيين أن خيارات طرحها الأمين العام للأمم المتحدة لاستمرار الوجود الدولي لا تزال قيد البحث في مجلس الأمن. وفيما تمسّك رئيس الجمهورية جوزف عون بضرورة تفادي أي فراغ أمني، شدد الرئيس نبيه بري على تنفيذ القرار 1701، وأبدى رئيس الحكومة نواف سلام استعداداً لبحث صيغة جديدة شرط أن تستند إلى تفويض من مجلس الأمن.

أما مفاوضات تامبا، فلا تزال محكومة بتباين واضح بين ما يسعى إليه لبنان وما تحاول إسرائيل فرضه ميدانياً. كون السلطة تريد مساراً يفضي إلى الانسحاب الإسرائيلي وتثبيت الاستقرار، فيما تربط إسرائيل الخطوة بنزع سلاح حزب الله. ومع ذلك، يعوّل عون على المفاوضات لتجنب اتساع المواجهة، لكن تجمّد المسار الدبلوماسي منذ جولة روما في آب الماضي، واستمرار الغموض المحيط بموعد مباحثات تامبا وجدول أعمالها، لا يوفران حتى الآن مؤشرات كافية إلى إمكان تحقيق اختراق، خصوصاً أن اجتماع السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض مع مسؤولين في الخارجية الأميركية لم تنتج عنه صيغة عملية بشأن أي من الملفات المرتبطة باستمرار العدوان الإسرائيلي على الجنوب.

وكان عون قد تلقى اتصالاً هاتفياً من وزير خارجية إيران عباس عراقجي تداولا خلاله في الأوضاع الراهنة في المنطقة في ضوء التطورات الأخيرة، وكان الرأي متفقاً على ضرورة دعم الحلول الديبلوماسية باعتبارها أفضل الحلول لوضع حد للنزاعات في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى