في صور، احتضنت ساحة القسم «مهرجان صور بتجمعنا»، برعاية بلدية المدينة وتنظيم فاتن شحادي، بمشاركة أصحاب المونة والمنتجات الزراعية والأشغال اليدوية والحرفية. ولم يكن اختيار الموعد منفصلاً عن الموسم الزراعي، إذ تزامن مع جهوزية أصناف من المونة الجنوبية، من الزعتر والكشك إلى المكدوس وغيرها، في وقت يحتاج فيه أصحاب المشاريع المنزلية والحرف الصغيرة إلى منافذ لتصريف إنتاجهم.
هكذا، تحوّلت الساحة إلى سوق مؤقتة جمعت منتجات الأرض والبيوت والمشاغل الصغيرة، ووفّرت مساحة للبيع المباشر لأصحاب أعمال لا يملكون بالضرورة القدرة على الوصول إلى الأسواق التجارية الواسعة.
ويقول نائب رئيس بلدية صور، علوان شرف، لـ«الأخبار» إن رعاية البلدية للمهرجان تندرج ضمن توجهها إلى دعم المعارض والنشاطات التي تحرّك السوق المحلية، وتفتح المجال أمام صغار التجار وأصحاب الأعمال المنزلية والعائلية. ولم تقتصر المشاركة على أبناء صور والجنوب، بل حضر عارضون من جونية وبيروت والجبل، فيما خُصصت أجنحة بأسعار تشجيعية رمزية للمزارعين المتضررين من الحرب، وللنازحين والحرفيين من القرى المتضررة والمحتلة، والمقيمين في صور وقضائها.
وعلى الرغم من الطقس الماطر، شهد المهرجان، بحسب شرف، إقبالاً لافتاً، وأبدى العارضون ارتياحهم لحركة الزوار. ويكتسب ذلك أهمية إضافية في مدينة تتأثر الحركة التجارية والسياحية فيها بالتطورات الأمنية، ولا سيما أن استمرار سماع أصوات الانفجارات في المنصوري ومجدل زون ينعكس قلقاً لدى الأهالي، ويؤثر في حركة الوافدين من بيروت وخارج القضاء.
ومع ذلك، مضت البلدية والمنظمون في إقامة المهرجان. ففي ساحة القسم، عادت حركة البيع والشراء والتجمعات العائلية، ولو لأيام، لتزاحم أصوات الاعتداءات التي لا تزال تلقي بثقلها على المدينة ومحيطها.
المونة تبحث عن أسواق
بالنسبة إلى أصحاب المونة والأعمال الصغيرة، تُقاس أهمية المهرجان بعدد الزوار وبقدرته على فتح سوق أمام إنتاجهم. وتوضح منظّمة المهرجان، فاتن شحادي، أن توقيت النشاط جاء استجابة لحاجة أصحاب المشاريع إلى تصريف منتجات الموسم، بعدما أصبحت أصناف المونة جاهزة للبيع.
وتشير إلى أن عدد المشاركين تجاوز العدد المخطط له، ما يعكس حاجة أصحاب الأعمال المنزلية والحرفية إلى مساحات عرض جديدة، في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية التي أصابت السوق الجنوبية.
وبحسب شحادي، توجّهت المبادرة أساساً إلى أبناء الجنوب، سواء من العارضين الباحثين عن أسواق لمنتجاتهم، أو الأهالي الذين يشكّلون المستهلكين الأساسيين لها. إلا أن مشاركة عارضين من جونية وبيروت والجبل أضافت بعداً آخر للنشاط، إذ رأت فيها رسالة دعم لصور وتأكيداً لدورها التاريخي مركزاً تجارياً يستقبل أبناء المناطق المختلفة.
ولم يقتصر الاهتمام على حركة السوق. فقد حرص المنظمون على إبقاء الدخول مجانياً، وتخصيص مساحة للأطفال تضم ألعاباً ونشاطات وعروضاً، إلى جانب هدايا وجوائز مجانية. وتربط شحادي هذا القرار بالظروف التي تعيشها العائلات الجنوبية، إذ إن الأطفال الذين عايشوا ضغوط الحرب يحتاجون إلى مساحات للعب والترفيه، فيما لا تسمح الخسائر والأعباء المعيشية التي تكبدتها أسر كثيرة بتحويل الترفيه إلى كلفة إضافية.
تجاوز عدد الزوار 50 ألف شخص في مهرجان الصرفند خلال الأيام الأربعة الأولى
وفي السياق نفسه، خُصصت أسعار رمزية للمزارعين المتضررين من الحرب وللحرفيين والنازحين، في محاولة لتخفيف كلفة المشاركة وإتاحة الفرصة أمامهم لعرض إنتاجهم.
وتختصر شحادي فكرة المهرجان بالجمع بين حاجتين: حاجة المنتجين إلى البيع والاستمرار في العمل، وحاجة الأهالي إلى استعادة النشاط الاجتماعي. وتقول إن ردود الفعل كانت مشجعة، إلى حد مطالبة عدد من العارضين بإعادة تنظيم المهرجان، بعدما لمسوا أثره في حركة البيع والتواصل بين المشاركين والزوار.
الصرفند: 50 ألف زائر و135 خيمة
على مسافة من صور، شهدت الصرفند تجربة مماثلة، لكن على نطاق أوسع. فقد استضاف مسرح «الفؤاد فيل» مهرجان «عودة سربتا»، برعاية بلدية الصرفند، على مدى أربعة أيام، بمشاركة 135 خيمة خُصصت لسوق الحرف والمونة وأصحاب المحال والمشاريع الصغيرة.
وبحسب صاحب فكرة المهرجان، وائل عجوز، تجاوز عدد الزوار 50 ألف شخص خلال أيامه الأربعة، فيما توزعت النشاطات بين العروض الفلكلورية والدبكة والسيرك والمسرحيات، إلى جانب صالة ألعاب بمساحة 525 متراً مربعاً، ضمّت أكثر من 15 لعبة نفخ، ويصفها عجوز بأنها الأكبر في الجنوب.
ولا تنفصل هذه الأرقام عن الواقع الاقتصادي للمنطقة. فخلف الخيم الـ135 أصحاب مصالح يبحثون عن زبائن، ومنتجات تحتاج إلى أسواق، وأعمال صغيرة تحاول الحفاظ على استمراريتها بعدما أثّرت الحرب في الحركة التجارية والقدرة الشرائية.
-

من فعاليات مهرجانات صور (الأخبار)
أما الحضور الكثيف، فيعكس، وفق عجوز، حاجة اجتماعية لا تقل أهمية عن الحاجة الاقتصادية. ويختصر ذلك بالقول إن الناس «لديها جوع للفرح»، إلى جانب حاجتها إلى تصريف بضائعها وتحريك محالها.
ولم تكن الظروف المناخية مساعدة، إذ واجه المنظمون الشتاء والعواصف، لكنهم أصرّوا على استكمال أيام المهرجان الأربعة. وبالنسبة إليهم، كان استمرار النشاط جزءاً من محاولة إعادة الحياة إلى المساحات العامة، بعدما ضاقت فرص اللقاء والترفيه بفعل الحرب وتداعياتها.
اقتصاد صغير يقاوم الركود
تكشف تجربتا صور والصرفند جانباً من وظيفة هذه المهرجانات في الجنوب. فهي لا تقتصر على الترفيه، بل تتحوّل إلى أسواق موسمية تتيح للمزارعين وأصحاب الصناعات الغذائية المنزلية والحرفيين الوصول مباشرة إلى المستهلكين، وتمنح المشاريع الصغيرة فرصة لتحريك مبيعاتها من دون الاعتماد حصراً على المحال والأسواق التقليدية.
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية في منطقة لا تزال تعيش تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية، حيث يتداخل القلق الأمني مع تراجع الحركة الاقتصادية، وتواجه العائلات وأصحاب المصالح صعوبة في استعادة انتظام أعمالهم.
لكن هذه المبادرات، على أهميتها، لا تستطيع وحدها معالجة الخسائر التي خلّفتها الحرب أو تعويض تراجع النشاط الاقتصادي. فهي تفتح منافذ مؤقتة للبيع وتوفّر متنفساً اجتماعياً، فيما تبقى استمرارية الأعمال مرتبطة بقدرة الأهالي على الإنتاج والوصول إلى الأسواق، وبالظروف الأمنية التي تتحكم بحركة الناس والتجارة.
ومع ذلك، تحمل المشاهد الممتدة من ساحة القسم في صور إلى خيم «عودة سربتا» في الصرفند دلالة تتجاوز أيام المهرجانات. فالأرض التي لا تزال تنتج، والبيوت التي تصنع المونة، والحرفيون الذين يعرضون أعمالهم، والأهالي الذين يعودون إلى الساحات، جميعهم يحاولون الحفاظ على دورة الحياة والعمل في منطقة لم تستقر فيها الظروف بعد.
في الجنوب، لا تنتظر الأسواق انتهاء الاعتداءات كي تفتح أبوابها، ولا ينتظر الناس زوال الخوف كي يجتمعوا. وبين خيمة وأخرى، يحاول الأهالي انتزاع مساحة للحياة، فيما يبقى التحدي الأكبر ألّا تتحوّل هذه المساحات المؤقتة إلى البديل الوحيد من اقتصاد يحتاج إلى التعافي والاستقرار.




