
فيما كانت شقيقاتها من دول «مجلس التعاون الخليجي» تعاني تراجع صادراتها النفطية والغازية أو توقّفها، ظلّت السعودية الوحيدة التي حافظت على تدفّق نسبة ليست بالقليلة من صادراتها إلى الأسواق العالمية، مستندةً في ذلك إلى خطّ أنابيب شرق – غرب، الذي يمتدّ من حقل بقيق في المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر. لكن مع انهيار الهدنة غير الرسمية بين صنعاء والرياض، على خلفية استهداف الأخيرة مطار الأولى في الثالث عشر من تموز الماضي، بات البديل الاستراتيجي بالنسبة إلى المملكة في مرمى صواريخ حركة «أنصار الله». على أن الحركة لم تكتفِ باستهداف السفن النفطية السعودية العابرة لمضيق باب المندب، بل أطلقت صواريخها في اتجاه عدد من المُنشآت النفطية السعودية الاستراتيجية، بما فيها حقول النفط والمصافي وخطوط نقل النفط، لتنضمّ بذلك المصالح النفطية للمملكة، إلى جانب المطارات الرئيسية، إلى قائمة «الحصار مقابل الحصار».
ضربة اقتصادية
لم تكن السعودية بحاجة إلى كثير من العناء لتدرك أن إقدامها على أيّ مغامرة عسكرية جديدة في اليمن، أو دعمها لها، ستكون له تداعيات كبيرة على اقتصادها، ولا سيما أن «أنصار الله» أثبتت امتلاكها قدرات عسكرية لا يُستهان بها، مكّنتها خلال حرب غزة من فرض حصار بحري شامل على ميناء إيلات الإسرائيلي، ومن ثمّ دفع الولايات المتحدة إلى التوصّل إلى تفاهم غير مباشر معها لوقف الهجمات المتبادلة بين الجانبَين. وعلى الرغم من أن بعض المؤشّرات المرتبطة بالاقتصاد السعودي تُصنَّف في خانة المقبول، ومن أبرزها تحسّن صادرات النفط في أيلول الماضي – حيث قدّرت مؤسسات استشارية وجهات رصد دولية حجمها بنحو 6.6 ملايين برميل يومياً -، وعدم تجاوُز مُعدّل التضخم 1.8% في آب، فضلاً عن إظهار القطاع الخاص غير النفطي تطوّراً إيجابياً في نشاطه في أيلول، فإن مؤشّرات أخرى تحمل طابعاً سلبياً، عاكسةً طبيعة الضغوط التي يتعرّض لها اقتصاد المملكة، وذلك في ظلّ استمرار تراجع النشاط النفطي، واضطرابات سلاسل الإمداد، والمخاطر الجيوسياسية. ولذا، من الضروري التمييز بين تحسّن مؤشرات الأعمال ونموّ الاقتصاد السعودي ككلّ؛ فبحسب بيانات «البنك المركزي السعودي»، انكمش الاقتصاد على أساس سنوي في الربع الثاني من العام الحالي بنسبة 4.7%. كما تُظهِر البيانات المُتاحة تراجع إجمالي الصادرات في تموز بنسبة 17.2% على أساس سنوي، بالتزامن مع انخفاض الواردات بنسبة 15.4%.
بات الاقتصاد السعودي أمام مجموعة من المُتغيّرات المحتملة ذات الأثر السلبي العميق
ومع تطوّرات اليمن الأخيرة، وطبيعة المُنشآت التي استهدفها الردّ اليمني وتوزّعها الجغرافي، وما قد يترتّب على إحكام «أنصار الله» سيطرتها على مضيق باب المندب، بات الاقتصاد السعودي أمام مجموعة من المُتغيّرات المُحتملة ذات الأثر السلبي العميق. ويأتي في مقدّمة تلك المُتغيّرات، احتمال تراجع كمّيات الصادرات النفطية السعودية وارتفاع تكاليفها، تضرّر المنشآت النفطية داخل المملكة وازدياد فاتورة إصلاحها وإعادتها إلى الإنتاج، خسائر قطاع السياحة والسفر من جرّاء استهداف المطارات، تراجع ثقة المستثمرين وتريّث بعضهم في ضخّ استثمارات جديدة بفعل علوّ مستوى المخاطر، تقهقر النشاط غير النفطي نتيجة انخفاض الطلب وصعود التكاليف، وتعمّق عجز الموازنة مع توسّع الإنفاق العسكري ومحاولات دعم الاقتصاد والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين، إلى جانب تداعيات أخرى.
تعميق مُعاناة اليمنيين
من شأن التصعيد المُتجدِّد أيضاً، وهو الأهمّ، أن يزيد معاناة اليمنيين في مختلف محافظات البلاد ومناطقها، التي ترزح، بعد نحو 12 عاماً من الحرب والحصار، تحت وطأة ارتفاع مُعدّلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد اليمنيين المُحتاجين إلى المساعدة والدعم يتجاوز 22 مليون شخص، من إجمالي عدد السكان الذي قُدِّر بنحو 41 مليون نسمة العام الماضي. كما يتجاوز عدد النازحين داخلياً 5.2 ملايين شخص، وذلك وفق تقديرات خطّة الاستجابة الإنسانية الأممية. وإذ أدّى الانقسام السياسي والمؤسّسي إلى نشوء بيئتَين اقتصاديتَين تختلفان في إدارة النقد والسياسات المالية وأسعار الصرف والأسعار المحلية، تتجلّى آثار هذا الانقسام في اختلاف سعر صرف الريال بين مناطق السيطرة المختلفة، وتفاوت أسعار السلع الأساسية وتكاليف النقل، وصعوبة انتقال السلع ورأس المال بين المناطق، وتباين قدرة السلطات المحلّية على تحصيل الإيرادات وتمويل الإنفاق، فضلاً عن تباين مستويات الخدمات العامة وفرص العمل.
لذلك، فإن تفجير الأوضاع مُجدّداً في اليمن يعني، على الأرجح، تعميق حالة الانكماش الاقتصادي التي تعيشها البلاد منذ سنوات، وتوسيع رقعة الفقر والجوع، مع تفاوت حجم التأثير بين المحافظات ومناطق السيطرة تبعاً لعدّة عوامل. ومن المُتوقّع، في هذا الإطار، ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والنقل نتيجة اضطراب الإمدادات وازدياد تكاليف الاستيراد، وتباطؤ الإنتاج وتعطّل الأنشطة التجارية والخدمية، وإغلاق مُنشآت وفقدان كثيرين وظائفهم، وتراجع الدخول الحقيقية للأسر، فضلاً عن ازدياد حجم الاحتياجات الإنسانية بالتزامن مع تدهور التمويل الإقليمي والدولي أو صعوبة إيصال المساعدات. أمّا حجم الضرر الحقيقي، فسيعتمد على نطاق الحرب ومدّتها، وما إذا كانت ستؤدي إلى تعطيل عمل الموانئ أو طرق التجارة، أو استهداف الموارد والثروات الاقتصادية للبلاد. ولذا، لا يمكن تحديد نسبة دقيقة لتراجع النمو أو ارتفاع التضخم، من دون سيناريو واضح وبيانات فعلية تتوافر بعد اندلاع المواجهات.
وقبل كلّ ذلك، فإن الخسائر البشرية مُرشّحة لمزيد من الارتفاع، ولا سيما مع استهداف المناطق السكنية والأسواق الشعبية بالغارات الجوية، إضافة إلى عمليات الانتقام التي ظهر بعضها إلى العلن في مشاهد دهس المئات من اليمنيين العُزَّل على أيدي عناصر محسوبين على الحكومة الموالية للسعودية. وللعلم، تشير آخر الإحصاءات المتداولة إلى وفاة نحو 377 ألف شخص منذ اندلاع الحرب اليمنية، بينهم نحو 154 ألفاً قضوا مباشرة جرّاء القتال والعنف، فيما تُقدَّر الوفيات غير المباشرة، نتيجة الأمراض والجوع وانهيار الخدمات العامّة الأساسية، بنحو 223 ألفاً.




